بالعربي

6- جندي المناعة المجهول

عندما نتحدث عن جهاز المناعة لدى الانسان، يكثر الحديث عن الخلايا المناعية كالخلايا البائية والتائية و ما تكوناه من أجسام مضادة وسيتوكاينات (Cytokines). أما الجندي المجهول لجهاز المناعة الذي نادرا ما يتم ذكره على الرغم من أهميته الشديدة، فهو النظام المناعي المتمم (Complement system)الذي سمي كذلك لدوره المكمل لعمل خلايا المناعة والأجسام المضادة. فما هو هذا النظام وكيف يعمل على حمايتنا من الأمراض؟
يعد النظام المتمم من أقدم الأسلحة المناعية لدى الكائنات الحية، اذ نجده في حيوانات بحرية، على سبيل المثال، عاشت منذ أكثر من 700 مليون سنة مثل قنفذ البحر. يندرج هذا النظام تحت مظلة الجهاز المناعي الفطري ويتألف من نحو 20 بروتينا يتم تصنيعها في الكبد ثم تنتقل هذه البروتينات الى الدم و أنسجة الجسم المختلفة لتقوم بأعمالها المتممة لعمل خلايا المناعة في مقاومة المرض.
و لعل أشهر مكون للنظام المتمم هو بروتين يعرف ب C3 ويعمل مع رفاقه البروتينات المتممة الأخرى على الدفاع عن أجسامنا من خلال ثلاث طرق أساسية، هي:
1- لهذه البروتينات القدرة على الالتصاق بأسطح مسببات الأمراض كالبكتيريا مثلا، ويؤدي ارتباط مجموعة من هذه البروتينات الى تكوين ما يشبه الة حفر تحدث ثقبا في البكتيريا أو غيرها مما يؤدي الى موتها. والجدير بالذكر أن هذه الاستراتيجية المناعية لا تؤذي خلايا الجسم التي تمتلك أدوات خاصة على أسطحها تقاوم النظام المتمم وتبطل مفعوله فتبقى سليمة معافاة.
2- بارتباط بروتينات من النظام المتمم مثل iC3b على سطح مسببات الأمراض، فان هذه البروتينات تعمل على فضحها مناعيا حيث تعمل عمل الرادار في كشف مواقعها لتتم ملاحظتها و مهاجمتها من قبل خلايا مناعية مثل خلايا البلعمة.
3- تعمل بعض مكونات النظام المتمم مثل C3a وC5a على استقطاب خلايا مناعية مثل خلايا البلعمة والعدلات (Neutrophils) الى مكان حدوث المعركة، و بالتالي تسهم هذه الخلايا في مقاومة الكائنات الممرضة ودرء خطرها عن أجسامنا.
ولعل خير أمثلة يستدل بها على أهمية النظام المناعي المتمم هي الحالات المرضية المسجلة التي يكون سببها نقص أو زيادة مفرطة في عمل هذا النظام. فمثلا يعاني الأشخاص الذين لديهم طفرات وراثية تتسبب بنقص في انتاج البروتينات المتممة مثل C1, C2, C4 من التهابات بكتيرية متعددة تؤدي في النهاية الى زيادة احتمالية نشوء أمراض مناعة ذاتية لدى أولئك الأشخاص كالحمى الذؤابية ومرض التهاب المفاصل المناعي.
أما زيادة عمل النظام المتمم عما هو طبيعي وذلك بسبب طفرة وراثية في منظمات عمل هذا النظام فهي تؤدي الى ما يعرف بالأنجيو اديما الوراثية (Hereditary Angioedema). ونتيجة لذلك يعاني المريض من انتفاخات في الوجه والأطراف أو الجهاز الهضمي والتنفسي. ويحدث ذلك بسبب الانفعال المفرط للنظام المتمم الذي يؤدي بدوره الى التهابات وزيادة نفاذية السوائل من الدم الى أنسجة الجسم المختلفة. لذلك فانه من المهم تشخيص هذه الحالة مبكرا و تمييزها عن حالات الحساسية المتنوعة التي يمكنها أن تتسبب بأعراض مماثلة.
ختاما، فانه لايوجد علاج حاليا للأمراض الوراثية للنظام المتمم، ولكن يكمن التدخل الطبي من خلال تطعيم المرضى المصابين لمقاومة مسببات الأمراض التي يكون الانسان أكثر عرضة لها. كما يتم اعطاء أولئك المرضى مضادات حيوية احترازيا أو لعلاجهم عند الاصابة بالأمراض البكتيرية. والجدير بالذكر أنه ولحسن الحظ فان جهاز مناعتهم غالبا ما يتمكن تلقائيا مع مرور الوقت من تكوين أجسام مضادة ضد عدد كبير من الكائنات الممرضة ليصبح أقل اعتمادا على النظام المتمم، مما يقلل من فرص العدوى المتكررة التي غالبا ما يتعرض لها أولئك المرضى في مقتبل أعمارهم. ومهما يكن من أمر فان التشخيص المبكر يظل أساسيا فهو يساعد على وقاية هذه الفئة من الأمراض، ولا شك في أن الوقاية هي دوما خير من قنطار علاج!

هذه المقالة نشرت بإذن من الكاتب بعد نشرها في صحيفة الرأي

د. عيسى ابو دية

اترك تعليق

آخر المقالات

أسبوع اللغة العربية

أسبوع اللغة العربية