بالعربي

تعلّم الطفل لغاتٍ إلى جانب لغته الأم

هل يؤدّي تعلّم الطفل للغةٍ أخرى إلى جانب لغته الأمّ إلى أن تختلط عليه الأمور فلا يتقن أيًّا منهما؟ أم يعتبر عمر الطفولة هو العمر الأفضل لتعلّم اللغات الأخرى؟ ما الاختلافات بين دماغ الطفل الذي يتحدّث بأكثر من لغة ودماغ الطفل الذي يتحدّث لغةً واحدة؟ هل علينا اعتماد لغةٍ واحدةٍ في البيت لتجنّب تشتيت الطفل؟

واجه المختصّون في دراسة تطوّر دماغ الطفل هذه الأسئلة كثيرًا، فمع وجود العديد من المدارس التي تدرّس لغةً أجنبيّةً أو أكثر من لغة، ووجود العائلات التي يتكلّم فيها الأب والأم لغتين مختلفتين، وفي كثير من الأحيان تتكلّم الأمّ لغةً والأب لغةً ثانية ويتعلم الطفل في المدرسة لغةً ثالثةً ويوجد في دولةٍ تتحدّث لغةً رابعة، فما التأثير الذي يحدث على دماغ الطفل أثناء وجوده في هذا المزيج اللغويّ؟

في بداية القرن العشرين ظهرت دراساتٌ تؤيّد أن تعلّم الطفل لغةً ثانية إلى جانب لغته الأمّ يؤدّي لتشتيت الطفل، لكن لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى تمّ مناقضة هذه الدراسات وتخطّيها بدراساتٍ كثيرةٍ تثبت عكس ذلك، وتبيَّن تميُّز الأطفال المتحدّثين بأكثر من لغة عن الأطفال المتحدّثين بلغةٍ واحدةٍ في العديد من المجالات والمهارات.

ما الذي يتميّز فيه الطفل الذي يتحدّث أكثر من لغةٍ عن الأطفال الآخرين؟

1- قد يكون مخزون الطفل -المتحدّث بأكثر من لغة- من الكلمات في كلّ لغةٍ قليلًا لكنّ فهمه للّغات التي يتحدّث بها لا يقلّ بل ويتفوّق أحيانًا عن مستوى الأطفال المتحدّثين بلغةٍ واحدةٍ فقط.
2- يتميّز الأطفال الذين يتعلّمون أكثر من لغةٍ متشابهةٍ في الأبجديّة –كالإنجليزيّة والفرنسيّة- في سرعة تعلّمهم للقراءة وإتقانهم لها في اللغتين مقارنةً بالأطفال الذين يتعلّمون لغةً واحدةً فقط، وعند الأطفال الذين يتعلّمون أكثر من لغة غير متشابهة الأحرف الأبجديّة فإن سرعتهم في تعلّم القراءة لا تقلّ عن الأطفال الذين يتعلّمون لغةً واحدة. إذًا لا يوجد أيّ تشتّتٍ أو إعاقة في تطوّر مهارة القراءة عند الأطفال المتحدّثين بأكثر من لغة، وإن كان هناك فرقٌ في المستوى والسرعة بينهم وبين متحدّثي اللغة الواحدة فهو لصالحهم.
3- يتميّز الأطفال المتحدّثون بأكثر من لغةٍ عن الأطفال المتحّدثين بلغةٍ واحدةٍ في مهارة حلّ المشاكل -وذلك يتضمّن كلّ المهارات التي تتطلّب التركيز على أمرٍ ما وإهمال وتثبيط التركيز على كلّ ما هو غير متعلّقٍ به ويعيق التفكير فيه- وتبيّن أنّ هذا التميّز يبقى معه في مختلف مراحله العمريّة.

إذًا هذا القلق من أنّ تعلّم الطفل أكثر من لغةٍ أو وجوده في مجتمعٍ يتطلّب منه التعامل مع مزيجٍ من اللغات يؤدّي لتشتيته وضعف مهاراته في التعلّم لا داعي له. والمثير للاهتمام أنّ تعلّم أكثر من لغةٍ، مع أنّه مهارةٌ تتعلّق بالمناطق اللغوية بالدماغ، إلا أنّ تأثيره يمتدّ ليؤثّر إيجابيًّا على مهاراتٍ مختلفةٍ عند الطفل تتحكم فيها مناطق غير المناطق اللغويّة في الدماغ.

 

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

 

اترك تعليق

آخر المقالات