بالعربي

المشاعر والتعلّم عند الأطفال

هل تؤثّر مشاعر الطفل على تركيب دماغه وذكائه؟
أثناء تطوّر الطفل ونموّه يتعرّض للعديد من المشاعر؛ الفرح، الحزن، الخوف وغيرها.
تساءل العديد من العلماء عن تأثير هذه المشاعر على تطوّر الدماغ ونموّه، فماذا كانت الإجابة؟

في إحدى التجارب التي أُجريت على مجموعتين من الفئران.

المجموعة الأولى: تُركت هذه الفئران في بيئةٍ مخبريّةٍ بحتة، بحيث يتمّ توفير الطعام والشراب لها فقط.
المجموعة الثانية: حاول الباحثون وضع الفئران في بيئةٍ تشبه لحدٍّ ما البيئة الطبيعية التي ينشؤون فيها، بحيث وضعوا أكثر من فأرٍ معًا، وعجلة للدوران والعديد من الأشياء المشابهة ليتفاعل معها الفئران.

عند دراسة أدمغة هذه الفئران وجد الباحثون أنّ أدمغة الفئران من المجموعة الثانية تحتوي على اشتباكاتٍ عصبيّةٍ أكثر من أدمغة الفئران في المجموعة الأولى.
بالإضافة إلى ذلك فقد كان مستوى نجاح الفئران في المجموعة الثانية في العديد من المهام التي طلبت منهم أعلى من مستوى نجاح الفئران في المجموعة الأولى.

هل الأمر متشابهٌ عند البشر؟
لمعرفة ذلك قام العلماء بإجراء دراسةٍ على مجموعةٍ من الأطفال المقيمين في مركزٍ للأيتام.

نظرًا لعدد الأطفال الكبير في المركز وفي المقابل عدد المشرفين القليل كان كلّ مشرفٍ مسؤولًا عن مجموعةٍ من الأطفال، بالتالي كان يفتقر الأطفال الاهتمام الشخصيّ والخاصّ بهم ممّن هو أكبر منهم.
أظهرت النتيجة أنّ أداء هؤلاء الأطفال في العديد من الاختبارات التي تقييس مستوى الذكاء أقلٌّ بكثيرٍ من الأطفال الآخرين في نفس الفئة العمريّة الذين نشؤوا في عائلاتٍ خارج المركز.

بعد ذلك قام الباحثون بتوزيع هؤلاء الأطفال على عائلاتٍ ليتمّ تبنّي كلٍّ منهم من قبل عائلة، فيحظى على اهتمامٍ خاصٍّ من أمٍّ وأبٍ موجّهٍ له فقط. بعد فترةٍ من التبنّي تمّ اختبارهم مرّةً أخرى ليجد الباحثون أنّ مستوى ذكاءهم قد ارتفع بشكلٍ ملحوظ، وكذلك مستوى أدائهم في العديد من الاختبارات التي تقيس القدرة على حلّ المشاكل.

لم يكن ارتفاع مستوى الذكاء متساويًا عند كلّ هؤلاء الأطفال، فما السبب؟
بعد تحليل الظروف التي نشأ بها هؤلاء الأطفال وُجد أنّ ارتفاع مستوى الذكاء كان أكبر عند الأطفال الذين خلال فترة تبنّيهم قاموا بالاستماع للموسيقى وقراءة الكتب، وكانت العائلات التي تبنّتهم تهتمّ فيهم بشكلٍ ثابتٍ وتتحدّث معهم بجملٍ أطولٍ وكلماتٍ أكثر.
تبيّن من هذه الدراسات أنّ التجربة العاطفيّة التي يعيشها الطفل والاجتماعيّة من تحفيزٍ أو تثبيطٍ تترك أثرًا في اكتسابه المهارات الجديدة، وأنّ هذا الأثر يساوي تمامًا أثر تدريبه على هذه المهارات وتعليمه لها.

هنالك منطقةٌ في الدماغ تشبه في تركيبها حصان البحر لذلك يطلق عليها الاسم اللاتيني لحصان البحر (HIPPOCAMPUS) وهي من المناطق المهمّة المسؤولة عن الذاكرة وبنفس الوقت للسيطرة على المشاعر. تبيّن أنّ هذا الجزء في الدماغ يتأثّر بشكلٍ كبيرٍ بالضغط النفسيّ الذي يتعرّض له الشخص.

وجد الباحثون أنّ الأطفال الذين يتعرّضون أثناء نموّهم لتجارب سلبيّة مثل: الخوف، أو الجوع، أو يعانون من اعتداءٍ جسديٍّ أو نفسيٍّ من قبل الأهل يعانون من تغيّراتٍ على المستوى التركيبيّ والوظيفيّ للدماغ تجعل قدرتهم على التعلّم أقلّ من الأطفال الآخرين الذين كبروا في بيئةٍ تخلو من هذه الضغوطات.

وفي تصويرٍ مغناطيسييٍّ وظيفيٍّ لأدمغة الأطفال في هذه الأبحاث وُجد أنّ الأطفال الذين نشؤوا في بيئةٍ مليئةٍ بالضغوطات يعانون من ضمورٍ في منطقة “الهيبوكامبس” التي ذكرناها سابقًا. من التفسيرات المتعدّدة لهذا التأثير أنّ الأطفال الذين نشؤوا في بيئةٍ مليئةٍ بالضغوطات يعانون من مستوى كورتيزول عالي بشكلٍ مزمنٍ في الدم، ولهذه المادّة تأثيرٌ مؤذٍ وضارٌّ على خلايا الدمّ وتطوّرها.
نستنتج من كلّ ما سبق أنّ المشاعر التي يتعرّض لها الطفل لا يقتصر تأثيرها على المستوى النفسيّ للطفل -بالرغم من أهمّيّة هذا التأثير- ولكنّها تؤثر على تركيب الدماغ وشكله ومستوى أداء الطفل وذكائه على المدى البعيد.

 

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

 

اترك تعليق

آخر المقالات