بالعربي

المحادثات العائليّة وتعبير الطفل عن نفسه

يبدأ أغلب الأطفال في السنة الثانية من عمرهم باستخدام ألفاظٍ تدلّ على حالتهم العقليّة، مثل: “أفكّر” “أظنّ” مع وجود اختلافاتٍ بين الأطفال حول الفترة المحدّدة التي يبدؤون بها بذلك.
كما يبدأ كذلك الطفل باستخدام كلماتٍ تعبّر عن شعوره؛ “أشعر بالحرّ الشديد” ، استخدام جملٍ للتعبير عن حالة الآخرين؛ “هل أنت جائعٌ الآن؟”، مشاعرهم؛ “هل أنتِ غاضبةٌ ماما؟” ، وكذلك باستخدام جملٍ للتفريق بين الحقيقة والخيال؛ “هل هناك حقًّا وحوش؟”.

المحادثات العائليّة حول مشاعر الطفل وتحليل المواقف التي مرّ بها -عدم موافقة صديقه للعب معه على سبيل المثال- تعدّ من العوامل الأساسيّة وأحجار البناء المهمّة في تشكيل فهم الطفل حول مشاعره وحالاته النفسيّة، وفي نفس الوقت فهمه لمشاعر الآخرين.
نقاش النزاعات التي يمرّ فيها الطفل؛ إعطاؤه المجال لطرح الأسئلة؛ الدفاع عن نفسه والتعبير عن شعوره الناتج من مواقف مختلفة، كلّ هذه الأمور تساعد بشكلٍ كبيرٍ وأساسيٍّ في جعل الطفل شخصًا اجتماعيًّا متفهّمًا للآخرين، والأهمّ من ذلك أنّها تساعده على فهم نفسه وفهم المشاعر المختلفة والحالات النفسيّة التي يمرّ بها.

في العائلات التي تُبنى فيها العلاقة بين الأهل والطفل على الأوامر الصارمة فقط، والصراخ، والتوبيخ، والجمل القصيرة دون فتح محادثاتٍ مع الطفل أو الإصغاء إليه يؤدّي ذلك إلى تنشئة أطفالٍ يحاولون عكس كلّ ما يتلقّونه في البيت على الآخرين من خلال تصرّفاتٍ مختلفةٍ كالتنمّر على الأطفال الآخرين، والضرب، وكسر قوانين المدرسة، والانزواء وغيرها من السلوكيّات.

إلى جانب أهمّيّة المحادثات في خلق فهمٍ لدى الطفل حول نفسه وحول الآخرين، فإنّها مهمّةٌ أيضًا بشكلٍ كبيرٍ في تكوين أرشيفٍ ومخزونٍ لغويٍّ لدى الطفل يساعده فيما بعد على تعلّم اللّغة بشكلٍ أكثر فعاليّةٍ وسرعة.

في تجربةٍ أجريت على مجموعةٍ من الأطفال بحيث تمّ تسجيل المحادثات التي تجري بينهم وبين أفراد العائلة الآخرين خلال اليوم، وَجد الباحثون أنّه في العائلات التي استمع بها الأطفال لعددٍ أكبر من الكلمات وكانت الإجابات التي يتلقونها على أسئلتهم عبارةً عن جملٍ طويلةٍ لا كلماتٍ مقتضبة، وكان البالغون في هذه العائلة يصغون لما يقوله الأطفال، كان لهؤلاء الأطفال مخزونٌ لغويٌّ وعددٌ من الكلمات أكثر بكثيرٍ من الأطفال الذين كانت الكلمات الموجّهة إليهم خلال اليوم أقلّ والإجابة على أسئلتهم مقتضبة والذين لم يكن أفراد العائلة يصغون إليهم بشكلٍ جيّد.

إجراء المحادثات مع الطفل عنصرٌ أساسيٌّ يساعد الطفل على فهم نفسه وفهم تفاصيل هذا العالم الجديد، وينمّي مهاراته اللّغوية وقدرته على التعبير، ويجعل الأسرة مرجعًا آمنًا يستطيع اللجوء إليه حينما يشعر أنّه بحاجةٍ لمن يصغي إليه ويدلّه عندما يتوه.

 

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

 

اترك تعليق

آخر المقالات