بالعربي

اكتشاف الطفل لهذا العالم الجديد

ما كلّ هذا؟ من هؤلاء؟ وأين أنا؟

بعد أشهرٌ طويلةٍ في عالمه الخاصّ، يجد الطفل نفسه في عالمٍ مختلفٍ كلّيًّا، يرى أشياءً كثيرةً للمرّة الأولى، يقابل كلّ يومٍ مخلوقاتٍ بشريّةٍ جديدةٌ عليه صفاتها، وأشكالها، وتصرّفاتها.
في عيونه الكثير من التساؤلات، لكنّه حتّى قبل أن يملك القدرة على النطق بها وصياغتها كلماتًا فهو يبدأ التعلّم عن هذا المحيط.

يشبّه الكثير من علماء النفس سلوكيّات الأطفال بالعلماء، بحيث يعقتدون أنّ للطفل والعالِم نفس المنهج والطريقة في تعلّم الأمور الجديدة.
كلٌّ منهما يبدأ بملاحظة التفاصيل المتعلّقة بما يريد تعلّمه، ثمّ إجراء التجارب، ثمّ الخروج باستنتاجات.
الطفل الذي يستمرّ برمي اللعبة على الأرض لتلتقطها أمّه كلّ مرّةٍ يتعلّم في هذه التجربة العلاقة بين السبب والنتيجة (أنا ألقي اللعبة، أمّي تلتقطها).
بنفس الوقت، فإنّ هذا الطفل يتعلّم الاتجاهات المختلفة التي تسقط فيها اللعبة ويتعلّم بشكلٍ غير مباشرٍ عن الجاذبيّة (تسقط الأشياء دومًا للأسفل عندما نفلتها من بين أيدينا).

أصحاب هذه النظريّة (نظريّة: الأطفال كالعلماء) يعتقدون بوجود نظريّاتٍ مبسّطةٍ لدى الطفل عن كيفيّة سير الأمور بالعالم المحيط.
فمثلًا تأمّلُ الطفل في تصرّفات الناس حوله وملاحقته لهم بنظره واستماعه لما يقولون يعلِّمُ الطفل الكثير عن سلوكيّات البشر وكأنّه تعلّم مدخلًا مبسّطًا في علم النفس.

تأمّلُ الطفل في الحيوانات والنباتات وتغيّرات الطبيعة المحيطة يُعلِّمُ الطفل أساسيّاتٍ بسيطةٍ في علم الأحياء، وتأمّلهُ في حركة الأشياء وسقوطها وأماكن وجودها وسرعة تحرّكها وملمسها يعلِّمُ الطفل أساسيّاتٍ في الفيزياء.
بالتالي فإنّ هذا الطفل الذي لا يبدو لنا إلّا مخلوقًا صغيرًا ننسى أحيانًا وجوده معنا في الغرفة هو عمليًّا آلة مراقبةٍ وتعلّمِ أنشطةٍ قام دماغه بتشكيل -على الأقل- ثلاثة أنواعٍ من المعرفة التي تستمرّ بالامتداد والتشعّب والتعمّق لتحدّد له أبعاد العالم الذي يعيش فيه: علم النفس والأحياء والفيزياء.

تُعتبر بداية تطوّر قدرة الطفل بإمساك الأشياء بيديه -ويحدث ذلك عادةً قرب عمر الأربعة أشهر-وبعدها قدرته على الجلوس وحده -ويحدث ذلك بين عمر الـ٤ والـ٦ أشهر- قفزتان نوعيّتان وحجريّ أساس في تعلّم الطفل ورحلة اكتشافه للعالم.
لأنّ الطفل عندها يصبح قادرًا على التعرّف على الأشياء عن قرب واكتشاف ملمسها وتفاصيلها والتعرّف على منظرها من زوايا مختلفة، وقلب الأشياء رأسًا على عقبٍ وتمريرها من يدٍ إلى يد، واكتشاف أنّ الأشياء ثلاثيّة الأبعاد.

في المرحلة التي يبدأ فيها الطفل بالزحف ثم المشي ينطلق للتعلّم بطرقٍ جديدةٍ وينفتح له أفقٌ آخر.
فهو الآن قادرٌ على التنقّل والذهاب للمكان الذي يختاره، والذي يكون في أغلب الأحيان مكانًا لا نكون سعداءً بوصول الطفل له؛ كالدرج، والمدفأة، وداخل الخزانة وغيرها من الأماكن الغريبة.
هنا تتجلى نظريّة “الأطفال كالعلماء” فهو الآن قادرٌ على أن يتدخّل بالأشياء التي طالما راقبها عن بعدٍ دون أن يستمتع بالتدخّل فيها، فيغيّر إعدادت التلفاز دون أن نعلم بأنّه لعب بالأزرار، يفصل مكنسة الكهرباء من الكهرباء في أوج اندماجنا في تنظيف البيت، وتبدأ رحلته باكتشاف العالم باكتساب نكهةٍ جديدةٍ فيها الكثير من المغامرات للطفل وللأهل.

ربّما إن نظرنا لهذه التصرّفات أنّها تجاربٌ يتعلّم فيها الطفل عن تفاصيل هذا العالم الذي وجد نفسه فجأةً فيه ونتوقّف عن النظر لها كتخريبٍ أو إزعاجٍ أو دافعٍ مباشر لنا للصراخ والتوبيخ سنتركه يتعلّم شيئًا فشيئًا وسنستمتع ونتعلّم معه الكثير في هذه الرحلة.

 

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

 

اترك تعليق

آخر المقالات