بالعربي

أخلاقيّات البحث العلميّ

زاد في الآونة الأخيرة الاهتمام الشديد لدى الدول المتقدّمة بالأبحاث العلميّة وتقديمها؛ كونها العامل المباشر بالتّقدّم العلميّ والتقنيّ بمختلف مجالات الحياة.

بدايةً،

ما هي الأخلاق؟ وما هو البحث العلميّ؟

الأخلاق أصلٌ نفسيٌّ مستقرّ، وقوّةٌ راسخةٌ تلقائيّةٌ تظهر آثارها في الأقوال والأفعال والأحوال.
والبحث هو نتاج ذلك الجهد العلميّ الممنهج والمبذول للوصول إلى حقيقةٍ علميّةٍ تستمرّ لمصلحة البشر، أو التّعمّق في معرفة أيّ موضوع والبحث عن الحقيقة ومحاولة إيجاد علاقةٍ جديدةٍ بين شيئين مختلفين.
أمّا البحث العلميّ، فهو تطبيق الطرق العلميّة في دراسة وتفسير العلاقات بين الظّواهر الطبيعيّة، وإيجاد حلولٍ في مجالات العلم المختلفة كالطّبّ والهندسة والفضاء وغيرها.
فإذا دُمجا معًا يتجلّى معنا مفهوم أخلاقيّات البحث العلميّ، والذي يتمثّل بإحياء المُثُل الأخلاقيّة لدى الباحثِ العلميِّ، والّتي تحفظ للعلم كيانه وللبحث قوامه، فالعالم هو صاحِب المسؤوليّة الكاملة هنا، ولذا يتحتّم عليه التشبّث بالقيم الأخلاقيّة السامية أثناء قيامه بالبحث العلميّ.

وأخلاقيّات البحث العلميّ كثيرة، نتناول بعضًا منها بشيءٍ من التّفصيل:

* المصداقيّة (Truthfulness):
يجب أن تكون نتائج البحث منقولةً بصدقٍ وأمانة، وأن لا تُكمل البيانات والمعلومات بناءً على ما تظنّه أو معتمدًا على نتائج النظريّات أو الأشخاص الآخرين.

* الخبرة (Expertise):
العمل الذي تقوم به ببحثك من الواجب أن يكون مناسبًا لمستوى خبرتك وتدريبك، وبالتأكيد سيكون الشّخص الخبير في مجال بحثك خير مساعدٍ لك في ذلك.

* السّلامة (Safety):
مِن المؤكّد عدم تعريض نفسك لخطرٍ جسديٍّ أو أخلاقيٍّ أثناء البحث العلميّ، لذا توخّى الحذر في تنفيذ بحثك واختر البيئة المناسبة له من النواحي الجيولوجيّة والاجتماعيّة والكيميائيّة وغيرها، واحرص على سلامة المُستهدَفين من البحث وعدم تجريحهم، أو تعريضهم للخطر في موقع البحث، وهذا يتطلّب الدقّة والحرص من الباحث سابقًا.

* الثقة (Trust):
الثقة هي ركيزة النجاحِ الأساسيّة في الحياة، فكن حريصًا على بناء علاقة ثقةٍ مع زملائك حتى تحصل على تعاونٍ أكبر منهم ودقّةٍ أعلى بالنتائج.

* الموافقة (Consent):
الموافقة شرطٌ أساسيٌّ الحصول عليه من الّذين تودّ العمل معهم قبل البدء بالبحث العلميّ، إذ أنّ معرفتهم المسبقة أنّهم تحت الدراسة شيءٌ ضروريّ.

* الانسحاب (Withdrawal):
تذكّر دائمًا أنّ المشاركين بالبحث غالبًا ما يكونون متطوّعين ويجب معاملتهم باحترام، وأنّ الوقت الذي يخصّصونه لأجل بحثك يمكنهم أن يقضوه في عملٍ آخر أكثر ربحًا وفائدة، فالأفضل لك أن تبدأ بحثك بأكبرعددٍ ممكنٍ من الأفراد لتضعهم تحت الدراسة.

* سرّيّة المعلومات (Anonymity):
حماية المستهدفين من مسؤوليّة الباحث العلميّ، وذلك من خلال إتلاف كلّ ما يتعلّق بهويّة المستهدفين بعد انتهاء الدراسة.

* حقوق الحيوان (Animal Rights):
هناك اعتباراتٌ أخلاقيّةٌ في هذا الخصوص يجب مراعاتها، إذ يجب معاملة الحيوان ورعايته الرعاية اللّائقة به والإحساس بمدى الألم وعدم الراحة عنده.

بعض المعايير المنهجيّة للبحث العلميّ

  • البحث عن الوضوحِ والدقّة عند صياغة الفروض أثناء البحث العلميّ.
  • يجب أن تكون الفروض قابلةً للاختبار ومقبولة.
  • أن يكون الباحث ناقدًا، دقيقًا ومتشكّكًا؛ لا يوافق على أيّ نظريّةٍ أو فكرةٍ دون إخضاعها للفحص الشّامل و الدّقيق.

الهدف من أخلاقيّات البحث العلميّ

بالحديث عن أخلاقيّات البحث العِلميّ يسعى الباحثون والمتخصّصون في تطوير مناهجِ البحث العلميّ إلى توظيف هذه الأخلاقيّات بما يساعد في تحقيق منتجٍ علميٍّ موثوق، بعيدًا عن الأساليب غير الأخلاقيّة أثناء القيام بالبحث العلميّ. فمن أهدافه؛ إثراء المعرفة العلميّة، وأن تتفوّق الفوائد المرجوّة من البحث العلميّ على الأضرار، وأن تتّفق وسائل البحث العلميّ مع مبادئ الأخلاق، وألّا تكون الغاية النبيلة تبرّر الوسيلة غير الأخلاقيّة.

مبادئ أخلاقيّات البحث العلميّ

تتعدّد مبادئ أخلاقيّات البحث العلميّ والهدف واحدٌ ولكنّا نلخّصها كما يأتي:

  • احترام قيم وكرامة وخصوصيّة المبحوثين (من تمّ تقدّمهم لتجارب البحث العلميّ) بالإضافة إلى احترام ثقافة الأديان.
  • الحصول على تصاريحٍ رسميّة قبل البدء بجمعِ المعلومات.
  • الحفاظ على سرّيّة البيانات.
  • ضمان سلامة المبحوثين.
  • يفضَّل أن يحقّق البحث نتائج مباشرة أو غير مباشرة للمجتمع والمساهمة بحلِّ مشاكله.

ومهما تعدّدت الجوانب المختلفة للبحث العلميّ في شتى الأبحاث الاجتماعيّة والتجريبيّة والسّريريّة والوصفيّة وغيرها، تبقى المبادئ واحدةً والأخلاقيّات راسخة؛ فهي المحدّدات الأوّليّة لأيّ باحثٍ علميّ .

صفات الباحث العلميّ ومساعديه

  • على الباحث العلميّ التحلّي بالأمانة؛ وتتمثّل بعدم أخذ أفكار الغير، وذكر المصدر الذي اعتُمد.
  • ذِكر النّتائج كما ظهرت.
  • الصّبر العلميّ وتقبّل النّقد.
  • دقّة العمل والالتزام بذكر التّفاصيل ومحدّدات ومُربِكات العمل.
  • عدم عرقلة عمل الآخرين.
  • عدم التّعصّب اللّاإراديّ.
  • الاعتراف بالجميل لمن ساهم وشارك بالبحث.

ضوابط وشروط إجراء البحوث

  1. ما يخصّ فريق البحث العلميّ:
    أنْ يكون الباحث مؤهّلًا، وعلى درايةٍ عاليةٍ من الكفاءة والتّخصّص.
  2. ما يخصّ المؤسّسة البحثيّة:
    أنْ يتوفّر لدى المؤسّسة جهازٌ رقابيٌّ، يتحقّق من التزام الباحث لشروط إجراء البحث العلميّ .
  3. ما يخصّ الشّخص الخاضع للبحث العلميّ:
    أن يكون كامل الأهليّة، على اطّلاعٍ تامٍّ بنوعيّة البحث ومراحله المختلفة، وأن لايكون الدّافع الأساسيّ للخوض في البحث الكسب الماديّ فقط.

على من تقع مسؤوليّةُ مراعاة الأخلاقيّات في البحث العلميّ؟

  • الباحث: يتحملّ المسؤولية الكاملة.
  • مؤسّسات البحث العلميّ: فلا بدّ من وجود لجان أخلاقيّاتٍ لمراقبة كافة البحوث الّتي تجري بها.
  • محرّرو المجلّات العلميّة: فلا بدّ أن يُرفَق بالبحث موافقة لجنة الأخلاقيّات.
  • وكالات التمويل والمنظّمات: فلا يجب التّمويل إلّا بعد تقديم ضمانات مراقبة المبادئ الأخلاقيّة للبحث.

ولكي يكون البحث أو الدراسة بحثًا بحقٍّ يجب أن تتوافر فيه الشروط التالية:

  1. وجود مشكلةٍ معيّنةٍ: حول ماذا تدور تلك المشكلة؟
  2. طرق دراسة هذه المشكلة.
  3. مناقشة وتفسير النتائج.

السرقة العلميّة والانتحال

كلمتان مترادفتان ولكن لكلٍّ منهما نسَقٌ مختلف؛ فالانتحال أكثر وضوحًا بالمجالات الأدبيّة. أمّا السّرقة فتظهر جليًّا بالمجالات العلميّة والصحيّة. وكلاهما ترميان إلى النّسق نفسه وهو الاعتداء على حقوق الملكيّة الفكريّة للأشخاص الأخرين، ونعزوا ذلك إلى غياب الأمانة العلميّة والنّزاهة الفكريّة لدى البعض، لذلك يأتي التشّديد قبل التّأكيد أنّ أُولى القيم الّتي يجب أن يتحلّى بها باحثنا هي الأمانة والصدق، والشّعور بالمسؤوليّة تجاه ما يقدّم للمجتمع .
الانتحال العلميّ (Plagiarism) وخطورته، ومساسه بالحقوق الفكريّة للآخرين جعلت العديد من المبرمجين يطوّرون برامج للتّحقّق من أصالة البحوث، وأصبح بعضٌ منها بدون مقابلٍ رغم أنّها سابقًا كانت باهظة الثّمن.
إليكمْ بعضًا منها، أو ما يمكن تسميتها أيضًا بأدوات التّحقّق من أصالة البحوث:

https://www.checkforplagiarism.net
http://plagiarisma.net/
http://www.plagtracker.com/

أخلاقيّات البحث العلميّ في الأردن

وفقًا للمدوّنة الأردنيّة لأخلاقيّات البحث العلميّ فإنّها تنصّ على الالتزام بالمبادئ والقواعد والقيم الأخلاقيّة عند إجراء البحث العلميّ. إضافةً إلى توعية الباحثين والمؤسّسات البحثيّة وتوجيههم نحو الأخلاقيّات البحثيّة السّليمة، وأُطُر الانضباط الّتي تحكم سير البحث العلميّ.
وقد قام مستشفى الجامعة الأردنية بإعلان تعهّده بالالتزام بمبادئ أخلاقيّات البحث العلميّ والتّعليمات المتعارف عليها، والمطبّقة عالميًّا عند إجراء أيّ بحثٍ يشارك به أفراده. وبالأخصّ؛ إعلان الرّابطة الطّبّيّة العالميّة من هلسنكي -المبادئ الأخلاقيّة الخاصّة بالأبحاث الطّبّيّة المتعلّقة بالبشر- (Declaration of Helsinki)، وغيرها من التقارير والمبادئ العالميّة.
ووفقًا لصندوق دعم البحث العلميّ في الأردن، فإنّه يقدّم خدماته للباحثين المتميّزين العاملين بالجامعات والمؤسّسات البحثيّة ومراكز الأبحاث وطلبة الدراسات العليا. ومع ذلك، توجد تحديّاتٌ جمّةٌ تواجه البحث العلميّ؛ من عدم وجود برامج دراساتٍ عليا مشتركةٍ معَ مؤسّساتٍ علميّةٍ عالميّةٍ مميّزةٍ ومرموقة، وغياب ثقافة البحث العلميّ وثقافة الابتكار والإبداع لدى غالبيّة أفراد المجتمعِ وطلبة الجامعات والمدارس وغيرها.

يُشار إلى أنّ الأردن يحتلّ المرتبة الرّابعة عربيًّا و68 عالميًّا من بين 142 دولةٍ على خارطة البحث العلميّ.

 

 

المراجع

[1] أخلاقيات البحث العلمي – جامعة المجمعة.

[2] الأخلاق – جامعة الملك عبد العزيز.

[3] دليل أخلاقيات البحث العلمى – جامعة الدلتا للعلوم والتكنولوجيا

What is scientific research and how can it be done? [4]

[5] الانتحالات والسرقات العلمية إلى أين؟ – الوطن

[6] من أفضل أدواتِ اكتشافِ الانتحال العِلميّ – البلاجياريزم –.

[7] تعهد بالالتزام بمبادئ وأخلاقيّات البحث العلميّ- مستشفى الجامعة الأردنية.

[8] البحث العلميّ في الأردن” ندوةٌ في الأردنيّةّ للعلوم والثقافة“.

الاردن يحتل مرتبة 68 عالميا في البحث العلمي – صحيفة الرأي [9]

 

كتابة: رشا علي

تدقيق: فريق البحث العلميّ

تعليق ١

آخر المقالات