بالعربي

ما هي القصة خلف الاعتقاد الشائع بأنَّ السبانخ غنيٌ جدًا بالحديد؟

باباي، السبانخ، ألمانيا والولايات المتحدة، ما العلاقة بينهما؟ وما هي القصة خلف الاعتقاد الشائع بأنَّ السبانخ غنيٌ جدًا بالحديد؟

لا بد أنَّك قد شاهدت في طفولتك حلقة واحدة على الأقل من مسلسل الرسوم المتحركة المعروف باسم (باباي رجل البحار)، إذا كنت قد فعلت، فلا بد أنَّك شاهدته وهو يتناول السبانخ المعلّب، لتبرز عضلات يديه على الفور بعد ابتلاعه السبانخ، كدلالةٍ على مستوى الحديد المرتفع الموجود في أوراق السبانخ الخضراء، أو هذا ما كنّا نعتقده!

ظهرت شخصية باباي الكرتونية والتي ابتكرها الأمريكي إلزي سيغار لأول مرة عام 1929 في صحيفة King Features اليومية، كان يُعتقد في تلك الآونة أنَّ السبانخ غنيٌّ جدًا بالحديد، وذلك استنادًا على ما جاء في ورقةٍ بحثية صدرت عام 1870، إذ تسبب خطأٌ غير مقصود بمضاعفة قيمة الحديد الموجودة في السّبانخ بمقدار عشرة مرات، وذلك بسبب خطأ في نقل موقع الفاصلة العشرية. لحسن الحظ؛ تم اكتشاف هذا الخطأ وتصحيحه عام 1937 من قبل علماء ألمان، أي بعد قرابة العقد من أول ظهورٍ لشخصة باباي مُحب السبانخ. تمَّ الكشف عن هذه القصة المذكورة سابقًا للمرة الأولى عام 1981 من قبل البروفيسور هامبلين الذي نشرها في الجريدة الطبية البريطانية، والتي يشار إليها بالأحرف الإنجليزية SPIDES اختصارًا لعبارة (Spinach Popeye Iron Decimal Error Story ) والتي تعني قصة سبانخ باباي وخطأ الفاصلة العشرية، بحسب هذه القصة، فإنَّ الاستهلاك المحلي للسبانخ قد ارتفع بنسبة 33% في الولايات المتحدة، وذلك بفضل البروباغندا التي ساهمت شخصية باباي في نشرها. يزعم هامبلين أيضًا، أنَّ هذه الدعاية قد لعبت دورًا هامًا في دعم الاقتصاد الأمريكي في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، والتي كانت ألمانيا أحد أبرز أقطابها، وهذا يفسر بدوره قيام علماء ألمان بالقضاء على أُسطورة السبانخ الغني بالحديد عام 1937 ليوجهوا بذلك ضربةً لاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، التي انضمت لاحقًا في العام 1941 للحلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا.

إلا أنَّ هنالك رأيٌ آخر يدّعي زيف هذه القصة، الدكتور مايك ساتون، عضو الهيئة التدريسية في جامعة نوتنغهام ترنت – بريطانيا، نشر مقالاً بحثيًا لتتبع جذور هذه القصة المعروفة والمنتشرة على نطاقٍ واسع في المواقع الإلكترونية المختلفة، إذ بحث ساتون عن مراجعٍ لهذه القصة ولم يجد أي مصدر يؤكد مزاعم البروفيسور هامبلين، بالإضافة لإجرائه بحثًا عن الدراسة التي تولى القائمين عليها تصحيح هذا الخطأ، ولم يجد أي أثر أو سجلات.
أما عن الارتفاع في معدلات استهلاك السبانخ بنسبة 33% في ثلاثينيات القرن الماضي، فيُعتقد أنَّه نتاج الصفقة التي قدمها الرئيس الأمريكي آنذاك، فرانكلين روزفلت، التي عرفت باسم (صفقة جديدة للمزارعين) والتي تضمنت بنودًا للحفاظ على التربة، من خلال تجنب الممارسات الزراعية التي من شأنها إلحاق الضرر بالتربة، مثل زراعة المحاصيل التي تتسبب باستهلاك عناصر التربة مثل القمح والأرز، مما دعا إلى توجه المزارعين نحو زراعة محاصيل غير مستهلكة لعناصر التربة، مثل السبانخ.
يقول ساتون أيضًا، بأنَّ سيغار –مبتكر شخصية باباي- قد وقع اختياره على السبانخ نظير محتواه المرتفع من فيتامين أ، وذلك وفقًا للكلام الذي ورد على لسان الشخصية في إحدى القصص المصورة عام 1932، إذ ظهر باباي في الصورة وهو يبرر لزوجته –زيتونة- لماذا يأكل السبانخ بشراهة.

زيتونة: ما هذا! هل تخال نفسك حصانًا؟

باباي: السبانخ مليء بفيتامين أ، الذي يجعل الإنسان قويًا وبصحةٍ جيدة!

لماذا فيتامين أ؟

اكتشف العلماء في عشرينيات القرن الماضي بعد إجرائهم دراساتٍ عدة، التأثير الهام لفيتامين أ على صحة الأطفال ونموّهم، هذه الدراسات، قد تكون السبب الذي جعل سيغار يختار السبانخ ليكون طعام باباي المفضل.

بغض النظر عن مدى صحة قصة سبانخ باباي وخطأ الفاصلة العشرية، ما يهمنا في هذا المقال هو السبانخ بحد ذاته، هل هو غنيٌ فعلاً بالحديد كما يُشاع؟

نعم، يحتوي السبانخ على نسبة مرتفعة من الحديد نباتي الأصل –وهو يختلف عن الحديد القادم من المصادر الحيوانية- إذ تحتوي كل 100 غرام من السبانخ على 2.6 ملغ من الحديد، وهو بذلك يتفوّق على بعض أنواع اللحوم في هذا الأمر. للأسف، فإنَّ أغلبية هذا الحديد الموجود فيه لا يتم امتصاصه من قِبل الجسد، في الواقع؛ وجدت دراسات حديثة أنَّ الجسم يمتص ما نسبته 2% على الأكثر من هذا الحديد، أي أنّ مقدار ما يمتصه الجسم من كل 100 غرام سبانخ لا يتجاوز الـ 0.044 ملغ حديد. يرجع ضعف الامتصاص هذا لعوامل عدّة، أبرزها هو كون هذا الحديد نباتي الأصل وليس حيوانيًا، وهذا ما يجعل امتصاصه أقل فاعليةً من امتصاص نظيره الحيواني. السبب الآخر الأكثر شيوعًا هو احتواء السبانخ على نسبة عالية من حمض الأكساليك، والذي يؤثر بدوره على كفاءة امتصاص الحديد نباتي الأصل، إلا أنَّ بعض الدراسات الحديثة أظهرت أنَّ حمض الأكساليك بريءٌ مما يُتّهم به فيما يخصّ الحديد على الأقل، إذ وجدت هذه الدراسة أنَّ حمض الأكساليك يقلل من امتصاص الكالسيوم، الزنك والمغنيسيسوم، لكن ليس الحديد. سببٌ آخر يُعتقد أنَّه المتسبب على الأرجح بالتأثير على كفاءة امتصاص الحديد، وهو احتواء السبانخ على المركبات الفينولية (البوليفينولات) التي تكوّن مع الحديد تراكيب معقدة عند تلاقيهما في تجويف المعدة والأمعاء، مما يقلل من كمية الحديد المتاحة للامتصاص.

حاليًا، تتملكني الرغبة بعدم الكتابة عن فوائد السبانخ، علّني أُقنع والدتي بالتوقف عن طهيه! إلا أنَّ الأمانة العلمية تجبرني على استكمال المقال، بل والاستفاضة في شرح فوائد السبانخ، بعد أن جردناه من سمعته الطيبة حول كونه منجم حيوي للحديد.

لا زالت هناك أسبابٌ عديدة ووجيهة تدعوكم لتناول السبانخ، وليس الحديد إحداها، فالسبانخ يحتوي على نسبةٍ عالية من فيتامين أ، المعروف بفوائده الجمّة للبصر ولنظام المناعة بالإضافة لدوره الهام في عملية النمو وتكاثر الخلايا. بجانب فوائده العديدة للصحة الجسدية، فللسبانخ فوائد جمالية أيضًا، إذ يلعب فيتامين أ -الذي يحتويه السبانخ بكثرة- دورًا هامًا في انتاج المادة الدهنية الضرورية للحفاظ على رطوبة الشعر، كما أنَّه عنصر هام في بناء الأنسجة الجسدية، بما في ذلك الجلد والشعر، كما أنَّ فيتامين أ -الريتينول تحديدًا- يعدُّ مركبًا أساسيًا في مستحضرات العناية بالبشرة والمقاومة لعلامات الشيخوخة. يحتوي السبانخ أيضًا على فيتامين جيم (C) الذي يحافظ على نظارة البشرة ويمنحها مظهرًا شابًا، وذلك لدوره في بناء وصيانة الكولاجين، حيث أنَّ الكولاجين هو البروتين الأساسي في الأنسجة الضامة المكوّنة للعضلات والجلد.
يلعب البوتاسيوم الذي يحتويه السبانخ دورًا هامًا في الحفاظ على صحة القلب، إذ أنَّ تناول كميات وفيرة من البوتاسيوم يقلل من مخاطر الإصابة بالسكتة الدماغية، كما أنَّه يقلل من احتمالية الموت بسبب إحدى الأمراض القلبية، وذلك لما يقوم به البوتاسيوم من توسيع للأوردة الدموية.

فيما يلي، قائمة بأهم المشاكل الصحية التي يساعد السبانخ في التقليل من آثارها الجانبية:

1- السرطان: يحتوي السبانخ على عوامل مقاومة للسرطان تدعى methylenedioxyflavonol glucuronides، كما أنَّه مصدر ممتاز لمضادات الأكسدة؛ مثل زيازانثين، نيوكسانثين وفايولاكسانثين، والتي تلعب دورًا في الوقاية من الإصابة بالسرطان، نظرًا لكونها مضادات التهاب.
بشكلٍ عام، فإنَّ محتوى السبانخ المرتفع من الكلوروفيل والفلافونويد، يجعل منه عامل وقائي جيد جدًا لعدة أنواع من السرطانات؛ مثل سرطان الثدي، المبيض والبروستاتا.

2- الربو: تقل فرص الإصابة بالربو لدى الأشخاص الذين يستهلكون كميات كبيرة من مادة بيتا كاروتين والتي تتحول بدورها إلى فيتامين أ (الريتينول). يعد السبانخ مصدرًا ممتازًا لهذه المادة، بالإضافة لاحتوائه على المغنيسيوم، المُستخدم كعلاجٍ فعال لنوبات الربو الطارئة، إذ يتم تزويد الجسم به عن طريق الوريد، إلا أنَّ العلماء لا زالوا غير متأكدين من فعالية المغنيسيوم لعلاج نوبات الربو إذا تم تزويد الجسم به عبر الفم أو باستخدام طريقة التبخير.

3- السكري: يحتوي السبانخ على واحد من أقوى مضادات الأكسدة، والذي يعرف باسم حمض ألفا ليبويك، والذي ثبت أنَّه يخفض مستويات السكر في الدم ويزيد من حساسية الإنسولين، كما أنَّه يقلل من أعراض الاعتلال العصبي المحيطي -ضعف أو تنميل في اليدين أو القدمين- والذي يصيب مرضى السكري عادةً.

كتابة: سهى عبدالكريم أبو زنيمة
المصادر:
1- https://www.livescience.com/51324-spinach-nutrition.html

2- https://www.compoundchem.com/2018/07/17/spinach/

3- https://www5.in.tum.de/~huckle/Sutton_Spinach_Iron_and_Popeye_March_2010.pdf

4- http://irep.ntu.ac.uk/id/eprint/30230/1/7987_Sutton.pdf

5_https://www.researchgate.net/publication/6387184_Oxalic_acid_does_not_influence_nonhaem_iron_absorption_in_humans_A_comparison_of_kale_and_spinach_meals

6- https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/2598894

تعليق ١