بالعربي

نداء العيون عند الأطفال

لا تشح بنظرك بعيدًا عن الطفل حتّى لا يكرهك!

في هذا العالم الجديد الذي يواجهه الطفل بعد تسعة أشهر من العزلة في رحم أمّه، ما هو العنصر الأكثر إثارةٍ له؟
الطعام؟ ديكور غرفة الولادة؟ أم ربّما اختلاف الجوّ؟
للأسف كانت كلّ هذه تخميناتٍ خاطئة. الإجابة الصحيحة هي: أنت.
نعم، أنت، وأنا، وكلّ وجهٍ بشريّ.

من أكثر الأمور التي ينشد لها الطفل وينسحر بتفاصيلها هو الوجه البشريّ، وبالتحديد العيون.
للطفل انجذابٌ فطريٌّ نحو العيون البشريّة، هل تعلم أيّ عيونٍ تحديدًا؟
لا ليست الزرقاء ولا العسليّة، بل العيون التي تلتفت مباشرةً نحوه، تنظر له وتتواصل معه عينًا لعين.

يتفاعل الطفل بشكلٍ إيجابيٍّ مع العيون التي تنظر مباشرةً له، وبالمقابل يتفاعل بشكلٍ سلبيٍّ جدًّا مع الوجوه التي تلتفت عيونها بعيدًا عنه، فيغضب ويتوقّف بدوره عن النظر لها. وفي دراسةٍ واحدةٍ تبيّن ترافق ذلك مع زيادة معدّل الكورتيزل في جسم الطفل.

تتحدّث العديد من النظريّات في علم النفس عن أنّ “الرفض الاجتماعيّ” هو من أقوى أشكال المعاناة النفسيّة، وأنّ صورتنا عن أنفسنا تُبنى بشكلٍ أساسيٍّ من تعامل المحيطين معنا.
إن كنّا نتلقّى من المحيطين الحبّ والاهتمام سنبني صورةً عن أنفسنا بأنّنا أشخاصٌ نستحقّ الحبّ والتقدير، وفي المقابل إن كان كلّ ما نتلقّاه هو الإهمال والتجنّب ستتشكّل صورةٌ مفادها أنّنا لسنا جديرين بالحبّ أو التقدير.

تمّ ربط انجذاب الطفل للعيون والوجوه بالنيّة الفطريّة لديه بتعلّم اللغة والتواصل مع المجتمع البشريّ المحيط.
إلى جانب التواصل المباشر في العيون فإنّ للطفل تصرّفاتٍ أخرى تُعتبر كمؤشّرٍ لرغبته بالتواصل وأن يكون جزءًا من المحادثة قبل تعلّم الكلام.

من هذه التصرّفات هي الوقفات التي يقوم بها الطفل أثناء عمليّة الرضاعة. أثناء رضاعة الطفل يتوقّف قليلًا، ينظر لعينيّ أمّه لتهزّه ثمّ يكمل الرضاعة.
تبيّن في العديد من الأبحاث أنّ كمّيّة الحليب لا تتأثّر بهذه الوقفات، وأنّ الطفل يمكنه أن يرضع بشكلٍ متواصلٍ بدون أن يؤثّر ذلك على نفسه.

إذًا، لماذا يقوم الطفل بهذه الوقفات؟؟

تُرجّح النظريّات أنّ هذه الوقفات المتبعة بهزّةٍ من الأمّ هي شكلٌ من أشكال المحادثة الثنائيّة التي تبدأ مبكّرًا عند الطفل قبل تعلّمه الكلام، كأنّه يؤكّد رغبته بأن يشكّل حوارًا مع من حوله.
تُعتبر أيضًا مؤشّرًا على وجود “الاستجابة المشروطة” عند الطفل، وهي القيام بفعلٍ لأنّه يتوقّع نتيجةً معيّنةً لهذا الفعل؛ عندما يتوقّف وتهزّه أمّه يربط الوقفة بالهزّة، ثمّ يتابع التوقّف ليحصل مرّةً أخرى على هذه الطبطبة والتواصل مع الأمّ.

هذه النظرة في العيون ليست عبثًا، هي نداءٌ من وراء كلّ الكلمات والأصوات، هي نداءٌ من عالم العيون للتواصل، فلا تشيحوا بأبصاركم بعيدًا عن نداء العيون.

 

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

اترك تعليق