بالعربي

لغة الطّفل

يلتفت الأطفال إلى اللّغة عند الحديث معهم بشكلٍ كبيرٍ جدًّا ويتعلّمونها بشكل سريعٍ ومذهل.
أظهرت بعض الأبحاث أنّ الطفل في عمر ١٥ شهرًا يمكنه تعلّم الكلمة بعد الاستماع لها مرّةً واحدةً فقط، وأنّ الطفل في عمر السنتين يتعلّم ما يزيد عن ١٠ كلماتٍ جديدةٍ يوميًّا.

الكلام الموجّه للرضيع

عند الحديث مع الرضيع نقوم بشكلٍ تلقائيٍّ كبالغين بتغيير نبرة الكلام ليكون الصوت أكثر حدّةً مع مبالغةٍ في تطويل الكلمة واستخدام تشديدٍ أكثر من الطبيعيّ على نغمة الكلمة، لتبدو وكأنّها مغنّاةٌ بنبرةٍ لطيفة.
هذا النوع من الحديث يسمّى “الكلام الموجّه للرضيع” وهو نوعٌ من الحديث المحبّب للطفل وللبشر بشكلٍ عامّ، يوصل شعورًا للشخص الآخر أنّنا نحبّه وأنّه مميّزٌ بالنسبة لنا.

في تجربةٍ تمّ تعريض الأطفال لتسجيلاتٍ صوتيّةٍ يتحدّث فيها البالغون بطريقةٍ عاديّةٍ وتسجيلاتٍ أخرى يتحدّثون فيها بطريقة “الكلام الموجّه للرضيع” وتبيّن أنّ كلّ الأطفال في التجربة فضّلوا التسجيلات التي تحتوي على حديثٍ بطريقة “الكلام الموجّه للرضيع”.

لهذه النّوعيّة من الكلام ميّزاتٌ تجعل تعلّم اللّغة للطفل أسهل، منها المبالغة بالضغط على مخارج الحروف عند البدء بالكلمة ممّا يجعل الطفل يُميّز بسهولةٍ بداية الكلمة ونهايتها.

بالنسبة لنا كبالغين من السهل أن نميّز الكلمات المنفصلة في الجملة الواحدة لأنّنا تعلّمنا هذه اللّغة، لكن عند سماعنا للغةٍ جديدةٍ لن نستطيع تمييز الكلمات، وستبدو لنا الجملة كأنّها قطعةٌ واحدةٌ متّصلة.
في حالة الطفل فالأمر مشابه، بالنسبة له هذه لغةٌ جديدةٌ لم يتعلّم كلماتها بعد، فعند التشديد على بداية الكلمة سيميّز الكلمات التي تتكوّن منها الجملة ويعلم متى بدأت الكلمة ومتى انتهت.
فبدلًا من أن تبدو الجملة قطعةً واحدةً متواصلةً ستبدو الكلمات واضحةً أكثر، كلّ كلمةٍ على حدى، فيسهل بالتالي تعلّمها.

ما الذي يستطيع الطفل قوله؟

يحاول الطفل أن يكون عنصرًا فعّالًا في المحادثة منذ ساعاته الأولى في هذا العالم قبل تعلّم أيّ كلمة- يمكن الرجوع لمقالة الوجوه والأعين للتعرّف على الأساليب التي يتواصل بها الطفل-.
قبل عمر الشهرين يصدر الطفل العديد من الأصوات والمكاغاة التي لا تشبه الكلمات التي نتكلّم بها، إلّا أنّها شكلٌ من أشكال مشاركته بالحوار.
بعد ذلك، يبدأ الطفل بإصدار أصواتٍ ليست بكلماتٍ مفهومة، لكنّها تخرج كمقاطع متتاليةً بتكرّرٍ معيّن، وكأنّ الطفل يتحدّث بجملٍ مترابطةٍ معنا.

يتحدّد ترتيب ظهور هذه الأصوات المبكّرة عند الطفل وفقًا للأصوات ذات النطق الأكثر سهولة، ويتشابه ترتيب ظهورها عند الأطفال بغضّ النظر عن لغتهم الأمّ التي يتعلّمونها.
على سبيل المثال، النطق بأصوات الـ”ب” والـ”م” والـ”ن” أسهل من النطق بصوت الـ”ف”، وبالتّالي فإنّ ظهور هذه الأصوات عند الطفل يسبق ظهور صوت الـ”ف”.

هل يصدر الطفل فاقد السمع أصواتاً؟

نعم.
لكنّ إصداره للأصوات يأتي بعمرٍ متأخّرٍ أكثر من الطفل الذي يسمع بشكلٍ جيّد، فيحدث ذلك تقريبًا بين عمر الـ١١ شهرًا إلى ٢٥ شهرًا.
بالإضافة إلى أنّ الأصوات التي ينطقها هذا الطفل لا تأتي بوتيرةٍ مشابهةٍ للكلام العاديّ كما عند الطفل الذي لا يعاني من مشاكل في السمع.

ممّا يثير الاهتمام أيضًا أنّ الطفل فاقد السمع إن وُجد في بيئةٍ لأشخاصٍ يتواصلون بلغة الإشارة سيبدأ مبكّرًا باستخدام يديه للتواصل، والقيام بحركاتٍ باستخدام يديه لا يقوم بها الأطفال الذين لا يعانون من مشاكل بالسّمع، ولوحظ أنّ هذه الحركات تكون بوتيرةٍ مشابهةٍ للغة الإشارة عند البالغين الفاقدين للسمع، كما الأصوات التي يصدرها الطفل الذي يسمع تأتي بوتيرةٍ مشابهةٍ للكلام.

على الرغم من أنّ الأصوات التي يصدرها الطفل تأتي بترتيبٍ متشابه حسب سهولة النطق بين الأطفال بغضّ النظر عن اللّغة الأمّ، إلّا أنّ إيقاع هذه الأصوات يختلف من لغةٍ لأخرى.

في تجربةٍ لدراسة هذه النقطة، تمّ تسجيل أصواتٍ لأطفالٍ في عمر ٦ أشهرٍ من ثقافاتٍ وأماكن مختلفة، ومع أنّ هؤلاء الأطفال لم ينطقوا بأيّ كلمةٍ واضحة، وكلّ ما صدر منهم عبارةٌ عن أصوات، إلّا أنّه عند عرض هذه التسجيلات على أشخاصٍ بالغين استطاعوا بسهولةٍ تحديد الأطفال الذين ينتمون لثقافتهم ولعائلاتٍ تتحدث بلغتهم.
فمثلًا استطاع الأشخاص البالغون الفرنسيّون تحديد التسجيلات التي تحتوي أصواتٍ لأطفالٍ فرنسيّين.

تعلّم الكلمات وتكوينها

تتراوح الفترة التي يبدأ فيها الطفل الحديث بشكلٍ كبيرٍ بين الأطفال، لكن يبدأ أغلب الأطفال بنطق كلماتهم الأولى في عمر السنة.
يبدأ المخزون اللّغويّ عند الطفل بالتزايد بشكلٍ تدريجيٍّ ويوميٍّ ليبدأ الطفل بعمر السنتين باستخدام الجمل التي تتكوّن من كلمةٍ أو اثنتين في حديثه.

من العوامل المهمة جدًّا لتعلّم الطفل اللّغة تعريضه لها.
ويتمّ ذلك عن طريق فتح حواراتٍ مع الطفل منذ الولادة، على سبيل المثال، أن تقوم الأمّ بالشرح له: نحن الآن سنغيّر الثياب. سنقوم الآن بأخذ حمّامٍ منعش.
من الطرق أيضًا القراءة للطفل منذ الولادة؛ يبدأ الأهل باستخدام الكتب التي تحتوي على صورةٍ وكلمةٍ في كلّ صفحة، ثمّ يقومون بالتدرّج باختيار كتبٍ تحتوي على مخزونٍ أكبر من الكلمات.

هذه الأساليب وإن ظنّها الأهل غير مجديةٍ في عمرٍ صغير، إلّا أنّها مهمّةٌ وأساسيّةٌ جدًّا في تعلّم الطفل للّغة وتطوّر مهاراته في التواصل.
عندما يبدأ الطفل بالحديث فإنّ من الأمور التي يجب على المحيطين مراعاتها هي عدم إهمال أسئلته والإجابة عليها بإجاباتٍ طويلةٍ وافيةٍ ثمّ الردّ على السؤال بسؤالٍ آخر للحفاظ على حوارٍ متواصل ينمّي مخزون الطفل من الكلمات والتراكيب اللغوية.
من الأمور المهمة أيضًا ألّا يتحدّث البالغون مع الطفل بجملٍ قصيرةٍ مقتضبة: لا تفعل هذا. تعال هنا. بل يفضّل استخدام جملٍ طويلةٍ فيها كلماتٌ أكثر.

يأتي الطفل على الدنيا جاهزًا بشكلٍ مذهلٍ لاكتساب اللغة لأنّ فيه غريزةً تجعله يتفهّم أهمّيّة هذه اللغة في التواصل وجعله جزءًا من هذا المجتمع البشريّ، ودورنا كبالغين احتضان هذه الجهوزيّة بالتواصل معه وتشجيعه وعدم إهمال أو توفير أيّ جهدٍ في تعليم الطفل كلماتٍ جديدة، وخلق حواراتٍ معه وإغناء مخزونه اللغويّ.

 

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

اترك تعليق

آخر المقالات