بالعربي

الارتباط والإحساس بالأمان عند الطفل

السلوكيّات الفطريّة

تُعدّ العديد من السلوكيّات الفطريّة لدى الطفل عاملًا مهمًّا لتكوين ارتباطٍ وعلاقةٍ قريبةٍ مع المحيطين به.

من هذه السلوكيّات:
1- البكاء
2- ردّ الفعل الانعكاسيّ بالتجذير؛ وهو استجابة الطفل للمس خدّه بالقيام بحركةٍ بفمه كأنّه يرضع
3- ردّ الفعل الانعكاسي بقبض الراحة؛ وهو استجابة الطفل بإمساك يدنا عند ملامسة باطن كفّه بإصبعنا

هذه الأفعال تؤكّد على أهمّيّة التواصل الجسديّ القريب عند الطفل لتكوين علاقاتٍ مع الأشخاص المحيطين به.
بعض الأبحاث تثبت أيضًا أنّ حدّة صوت الطفل أثناء بكائه تطوّرت مع السنين لتصل لدرجةٍ من الحدّة المزعجة للأذن لتؤدّي لاستجابةٍ مباشرةٍ من الأشخاص المحيطين به.
بالإضافة لذلك فإنّ من طرق التواصل المهمّة التي تبدأ مبكّرًا عند الطفل: الابتسامة.
تبدأ الابتسامة بعمرٍ مبكّرٍ عند الطفل، وتظهر بشكلٍ أكبر عند التواصل معه وجهًا لوجه.
كلّ هذه التفاعلات التي ذكرناها يبديها الطفل كنوعٍ من المشاركة بالمحادثة والتواصل مع الأشخاص الذين يصادفهم.

هل يفضّل الطفل وجوهًا أو أصواتًا معيّنة؟

يفضّل الطفل صوت أمّه عند الولادة عن كلّ الأصوات الأخرى، وكذلك رائحتها، ممّا يجعله يُفضّل دوام البقاء بقربها.
يتعلّم الطفل كذلك بسرعةٍ تفضيل وجوهٍ وروائح الأشخاص الذين يبقون بقربه أغلب الوقت -ويبدون له الحبّ والعطف- على وجوه وروائح الأشخاص الآخرين.
هذا الميول لدى الطفل والتفضيلات التي يكوّنها تكون مهمّةً جدًّا وتلعب دورًا أساسيًّا في تطوّر الطفل النفسي.

إذا كان تواصل الطفل مع الأشخاص المحيطين به يؤدّي إلى بناء تفضيلٍ عند الطفل لهؤلاء الأشخاص على الأشخاص الآخرين، فهل يؤدّي فصل الطفل عن الأمّ عند الولادة (لضرورةٍ طبّيّةٍ مثلًا) إلى فقد الطفل هذا الارتباط مع أمّه في تفضيلها على الآخرين؟

بيّنت الأبحاث أنّ هذا التفضيل والارتباط يُبنى بالتدريج مع الزمن، ويعتمد في نموّه بشكلٍ أساسيٍّ على وجود تواصلٍ دافئٍ مع الطفل باستجابةٍ فعّالةٍ واهتمام، بالإضافة لأن يكون تواصلًا مستمرًّا متكرّرًا.
تواصل هذا القرب ووجوده في أغلب أوقات الطفل بشكلٍ ثابتٍ يُعدّ عاملًا جوهريًّا في تطوّر صورة الطفل عن نفسه بأنّه شخصٌ يستحقّ الحبّ والدعم من الآخرين.

يكوّن الطفل الذي يحظى بهذا التواصل الدافئ والاهتمام ما يسمى بـ”الارتباط الآمن”.
من ناحيةٍ أخرى، فإنّ الطفل الذي يفتقر لهذا الاتصال، ويُعرَّض بالمقابل للإهمال، ولتواصلٍ يخلو من المحبّة والدفء بشكل ثابتٍ ومتكرّر؛ يؤدّي لتشكيل الطفل ما يسمّى بـ”الارتباط غير الآمن”

الارتباط الآمن والارتباط غير الآمن

ماذا يعني الارتباط غير الآمن؟ وكيف يُترجم على تصرّفات الطفل؟ وهل سينعكس فيما بعد على ملامح شخصيّته؟

يتوقّف الطفل الذي يشكّل ارتباطًا غير آمنٍ -بسبب الإهمال الذي يتعرّض له والتواصل غير المحبّ الذي يلقاه- عن الثقة بأنّ السلوكيّات التي يقوم بها للتواصل -والتي ذكرناها في بداية المقال- ستؤدّي لاستجابةٍ من الشخص الذي يرعاه.
على سبيل المثال، يفقد هذا الطفل القناعة بأنّ الابتسامة ستؤدّي لتواصلٍ مع الشخص الذي يقوم برعايته أو أنّ البكاء سيؤدّي لقيام من يرعاه بالالتفات له أو إطعامه.

يمكن أن يترك الارتباط غير الآمن آثاره على شخصيّة الطفل بطريقتين:

الأولى: الانطوائيّة
في هذه الحالة يتوقّف الطفل عن محاولة التواصل مع الشخص الذي يرعاه عندما يكون بالقرب منه.
على سبيل المثال، يتوقّف عن النظر في عيونه أو التبسّم له أو حتّى البكاء؛ تجنّبًا لخيبة الأمل. لأنّه مع تكرار الإهمال فقد الطفل ربط هذه الوسائل بالنتيجة التي كان يرجوها.

الثانية: الاستقلاليّة
في هذه الحالة يبدو الطفل وكأنّه يحارب من أجل الحصول على الاهتمام، فيقوم بتصرّفاتٍ لإجبار الشخص الذي يرعاه بالالتفات له والتواصل معه.

هل لهذا التأثير انعكاسٌ على شخصيّة الطفل فيما بعد؟
للأسف، نعم.

تبيَّن في الأبحاث التي أُجريت حول هذا الموضوع أنّ للحالتين السابقتين تأثيرًا سلبيًّا على حياة الطفل في المستقبل من عدّة نواحي: السيطرة على النفس، الثقة في النفس، الإدراك، الذكاء والتحصيل العلميّ.

التواصل الدافئ مع الطفل، الاهتمام به، إظهار الحب، النظر له مباشرةً في عيونه وغيرها من أساليب العطف لها آثار مهمّةٌ جدًّا في تكوين الطفل وتفاصيل شخصيّته وكيفيّة نظرته لنفسه وصورته عنها.

هذا التواصل لا يقتصر على الأهل بل يشمل كل من هم حول الطفل مثل الجدّة والجدّ والأخوة وغيرهم من الأقارب والمربّين في مراكز الرعاية بالأطفال وغيرهم.
كلُّ من يحتكّ مع الطفل قد يكون سببًا في تطوّره ونموّه الإيجابيّ أو سببًا في آثارٍ مؤسفةٍ على شخصيّة الطفل وتطوّره النفسيّ والاجتماعيّ والعقليّ تجتاز مرحلة الطفولة وتؤثّر عليه في مراحل حياته الأخرى.

كتبت هذه السلسلة الدكتورة سما البرغوثي

مقيمة اختصاص طب الأطفال / هداسا -القدس

واعتمد كمصدر

Child Psychology: A Very Short Introduction – Professor Usha Goswami’s

اترك تعليق

آخر المقالات