بالعربي

سلسلة التوعية بمرض التصلب اللويحي: الجزء الأول

بعد عامٍ ونصفٍ قضتها هيا عامر في مجابهة مرض التصلّب اللّويحيّ، عادت لتكون أقوى، أبهى وأكثر إشراقًا، لتخبرنا بأن نظلّ أوفياءً للأمل، للصبر، للقوّة ولحبّ الحياة، تلك الحياة التي قد تكون قاسيةً ومفاجئة، بل وصادمةً أحيانًا، لكنّها كما عهدناها لا تتوقّف ولن تتوقّف عند إحدى نوازلها، إلا أنّ الكثيرين يتوقّفون هم أنفسهم عن عيشها، ويترجّلون منها باكرًا قبل أن يخوضوا غمارها وقبل أن يكونوا أندادًا لها. هيا، لم تختر الحلّ الأسهل، ولم تترجّل من موكب الحياة الزاهي والقاسي في آنٍ واحد، بل تشبّثت به بعنف، وعادت بعد عامٍ ونصفٍ قضتها في معركةٍ متّقدةٍ مع ضيفٍ ثقيل الظلّ، اقتحم حياتها بلا سابق إنذار، ليغيّر شكلها إلى الأبد، فخرجت من هذه التجربة إنسانةً جديدةً كُليًّا -على حد تعبيرها- ولدت في السادس والعشرين من شهر تشرين الأوّل، عام ٢٠١٧.

باختصار، ما هو التصلّب اللّويحيّ؟

التصلّب اللّويحيّ أو التصلّب المتعدّد (Multiple Sclerosis) هو مرضٌ مناعيٌّ ذاتيٌّ، يقوم فيه جهاز المناعة بمهاجمة الجهاز العصبيّ المركزيّ، والمتمثّل بالدماغ والحبل الشوكيّ والأعصاب البصريّة. يتسبّب عدوان جهاز المناعة هذا على الجهاز العصبيّ المركزيّ بالتهابٍ مزمنٍ يتسبّب بتدمير مادة المايلين، وهي المادّة الدهنيّة التي تحيط بالمحور العصبيّ وتسمح بمرور السيّال العصبيّ بسرعةٍ عبره، بالإضافة إلى تدمير الألياف العصبيّة ذاتها في مرحلةٍ متقدّمة، والخلايا المتخصّصة في تصنيع المايلين. يؤدّي تدمير مادّة المايلين إلى تعطيل وبطء انتقال الرسائل العصبية داخل الجهاز العصبيّ المركزيّ. يُنتج هذا المرض أعراضًا تترواح في شدّتها ونوعيّتها بحسب نوع التصلّب اللّويحيّ الذي يعاني منه المريض، إذ تختلف أنواعه باختلاف المناطق المصابة من الجهاز العصبيّ المركزيّ، والتي تتباين من شخصٍ لآخر.

ما قبل ٢٦/١٠/٢٠١٧
لم يعلن التصلّب اللّويحيّ المتربّص بها عن قدومه، ولم يقدّم أعراضًا تنبئ بقرب هجمته، فالأعراض التي كانت تشعر بها هيا كانت بسيطةً لا تثير الريبة ولا القلق، إذ لم تعدُ عن ألمٍ بسيطٍ في العين اليمنى، بالإضافة إلى ضعف التحكّم باليد اليمنى، فقد كانت تعاني من عدم القدرة على منع الأشياء من السقوط بعد إمساكها بيدها. التعب والإرهاق الشديدين كانا على اللائحة أيضًا، فكانت تستيقظ صباحًا مع شعورٍ بالإنهاك والتعب الشديدين كما لو كانت تمارس نشاطًا بدنيًّا مجهدًا، إلا أنَّها لم تُعر هذه الأعراض اهتمامًا يذكر، فالتعب الجسديّ كان جزءًا أساسيًّا من يومها، نظير الوتيرة المتسارعة التي تجري بها حياتها، فقد كانت الفتاة ذات الـ 22 ربيعًا آنذاك ناشطةً في مجالاتٍ كثيرة، منها المجال التطوّعيّ والمجال العمليّ في المؤسّسات الشبابيّة المختلفة، بالإضافة لإطلاقها مشروعها الخاصّ المدعوّ بـ “عائلة التصميم”.

استفاقت هيا صبيحة السادس والعشرين من تشرين الأوّل على شعورٍ عامٍّ بالتعب والإنهاك، بالإضافة إلى تراجعٍ حادٍّ بالبصر في عينها اليمنى، إذ أصبحت الرؤية مشوّشةً ومزدوجة. أكملت يومها بشكلٍ طبيعيّ بعد أن حجزت موعدًا لدى طبيب العيون، ظنًّا منها أنّ خطبًا ما قد أصاب عينها ولم يدُر في خلدها أنّ هذا الأمر كان ناقوس خطر يُقرع لينبّئها بما هو آت.
توالت الأعراض في اليوم التالي بالظهور المتسارع، في هذا اليوم تحديدًا أدركت أنَّها فقدت الإحساس بالحرارة بعد أن سقط من يدها كوبٌ من الشاي الساخن، مضرجًا بذلك ثيابها وساقيها، إلا أنَّها لم تشعر بألمٍّ كما يفترض بها، بل حتى أنَّها لم تتنبه لمدى سخونة الشاي المسكوب إلا بعد أن بدأت ساقها بالاحمرار.
حلّ موعد طبيب العيون في اليوم التالي، والذي أخبرها بضرورة التوجّه لطبيب الأعصاب، لأنّ المشكلة الصحيّة لم تكن متعلّقةً بخللٍ ما في العيون.

٣١/١٠/٢٠١٧
في مصادفةٍ رتّبها القدر، كان طبيب الأعصاب عائدًا لتوّه من مؤتمرٍ خارج الأُردن تحدث فيه عن مرض التصلّب اللّويحيّ.
بدايةً، قام طبيب الأعصاب بالفحص السريريّ، الذي لم يسفر عن وجود أيّة مشاكل، بعد ذلك قام بطلب إجراء صورة رنينٍ مغناطيسيّ MRI، والتي أزاحت الغموض الذي كان يكتنف حالتها، إذ بيّنت وجود نقاطٍ على الدماغ. عادةً، يتطلب تشخيص المرض سحب عيّنةٍ من السائل الشوكيّ وتحليلها للكشف عن أيّة تغييراتٍ غير طبيعيّة، إلا أنّ حالة هيا لم تتطلب هذا الإجراء، وذلك لأنّ صورة الرنين المغناطيسيّ كانت دليلاً كافيًا وواضحًا لإثبات إصابتها بالتصلّب اللّويحيّ.

حينها، تغيّرت ملامح حياة هيا كما تعرفها وتألفها، لتبدأ برحلةٍ متعبة استهلّتها بالعلاج، وتمضي بها بشجاعةٍ وأمل. نروي تفاصيلها في الجزء الثاني من سلسلة التوعية بمرض التصلّب اللّويحيّ.

كتابة: سهى عبدالكريم أبو زنيمة

تعليق ١

  • شكرا لكم على هذا السرد المؤثر الجذاب للانتباه والاهتمام..وتحية واحترام لمن صمدت في هذه المعركة”هيا”..كل السكر لأسرة “بالعربي” على الدور التوعوي..في انتظار الجزء التالي..