بالعربي

من أتى أوّلًا؟ الأفكار أم الكلمات الّتي تحملها؟

هل للغاتنا المحكيّة تأثيرٌ على تفكيرنا؟ هل للمفكّرين تأثيرٌ على اللّغة؟ هل نستطيع التفكير بأمورٍ لا نملك كلماتٍ لها؟ وإن كان هذا صحيحًا، فلأيّ درجة؟ هل يوجد أمورٌ من الاستحالة التفكير بها بلغةٍ معيّنة أو لدى نوعنا البشريّ بشكلٍ محدّد؟ كيف تتقاطع اللّغة مع ثقافة الشعوب؟ هل تقوم اللّغة بتحديد الأفكار الّتي قد ننتجها؟ خاض الأكاديميّون حروبًا بخصوص هذا، والّذي قد يصف لك كم الأمر مهمٌّ بينهم. لماذا؟ لأنّ في أساس ذلك جدالٌ فلسفيٌّ بين الطبع والتطبّع والّذي يملك انعكاساتٍ سياسيّةً تؤثّر على الجنس، والعرق، والتمويل، والتعليم، وغيرها.

نحن نفكّر. نحن نتكلّم. هل توقّفْت قبل هذا للتفكير بالرابط بين هذين الاثنين؟ بكلماتٍ أخرى، من يأتي أوّلًا، الأفكار أم الكلمات؟ هل تصيغ الأفكار ما نتكلّم به، أم تصيغ الكلمات ما نفكّر به؟ من أتى أوّلًا؟ الدجاجة أم البيضة؟ بشكلٍ عام، يتّفق الأكاديميّون أنّ الفكر أتى أوّلًا. يستطيع الأطفال الرضّع الوعي بشكلٍ كامل بالانزعاج، والجوع، والخوف، ووجود والدتهم، قبل نطقهم بكلماتهم الأولى بوقتٍ طويل. كما أنّ النّاس لا يفقدون قدرتهم على التفكير والإحساس بمجرّد خسارة قدرتهم على التكلّم، وإنّما يحاولون وسائل أخرى للتواصل.

هل تأتي الكلمات أوّلًا؟

اقترح كلّ من “إدوارد سابير” و”بنجامين وورف” فرضيّة الحتميّة اللّغوية والتي تنصّ على أنّ اللّغة هي من تحدّد أفكارنا (أي ليست أفكارنا هي من تحدّد ما نتلفّظ به عن طريق اللّغة). وهي فرضيّةٌ مثيرةٌ للاهتمام، لكن عند التمعّن الدقيق فيها يفشل المرء في تفسير تجاربنا اليوميّة في استخدام اللّغة.

على سبيل المثال، جميعنا سبق أن مرّ بموقفٍ خطرت له فكرةٌ وفشل في إيجاد الكلمة المناسبة للتعبير عنها. وكثير منّا في حين أو آخر قال شيئًا ليدرك بعدها أنّه لم يكن ما كان يقصده في البداية. كما مررنا بموقف “كان على رأس لساني” حين لم نستطع تذكّر الكلمة التي تعبّر لنا عن الموقف بالرغم من معرفتنا إيّاها لنتذكرها بعد ساعات عندما تخطر لنا. ماذا يحصل هنا؟ نحن نملك الكلمات المناسبة لكن عجزت قنواتنا العصبية عن الاتصال المناسب. لربّما مررت بذلك الشعور، أن تكون عاجزًا للحظة لتتمكّن بعدها من حلّ العجز والبدء مجدّدًا.

أم تأتي الأفكار أوّلًا؟

ولكن، أنت تستطيع البدء مجدّدًا، ابحث عن مرادفٍ أو شيءٍ مقارب، وامضِ به. هذا لأنّ اللّغة وفيرة. هنالك العديد من الكلمات الّتي تستطيع استخدامها في وصف ما تعنيه. ولكن… ما الشيء الّذي تعنيه… هل يأتي ذلك قبل اللّغة أم يتماشى معها؟

إلى أيّ درجةٍ تنعزل الأفكار عن الكلمات الّتي ننطقها؟ على سبيل المثال، لا يولد الأطفال وهم يعرفون الكلام، ولكنّهم يولدون وهم يعرفون كيف يفكّرون. جميعنا رأى طفلًا يتفحّص قدمه باهتمام، وكأنّه يعلم بالضبط ما ذلك الشيء، هو يعلم أنّ ذلك جزءٌ منه وحلقات اللّعب ليست كذلك. يعطينا كلّ ما سبق الشعور بأنّ هنالك شيءٌ يسبق كلّ أمور اللّغة، على الرّغم من اكتساب الطفل السريع للتركيبات اللّغويّة الكافية لقوله “قدمي”.

سبق الافتراض أنّ الترجمة من لغةٍ إلى أخرى تكون ممكنةً فقط عندما لا تعتمد الأفكار على الكلمات (أي يمكن ترجمة مفهومٍ من لغةٍ إلى أخرى فقط عند وجود ذلك المفهوم بشكلٍ مجرّد. الكلمات بمفردها لا يمكن ترجمتها دون وجود مفهومٍ يستوعبه كلّ متحدّثٍ من هاتين اللّغتين). نحن لا نترجم مجموعةً من الأصوات إلى مجموعةٍ أخرى من الأصوات. نحن نترجم، على سبيل المثال، مفهوم “الكرسيّ الهزّاز” عبر مجموعةٍ من الصوتيّات الّتي تكوّن اسمًا ذا معنى مغروسًا في واقع موقفٍ معيّن، إلى شيءٍ ذو معنى مماثلٍ بلغةٍ أخرى، والذي (إن كنّا محظوظين) سينتج ذات الصورة برأس المتحدّث صاحب اللّغة الأولى.

وماذا عن دماغي؟

يستطيع دماغك استخدام الصور البصريَّة أو المرئيّة لفهم الأفكار والمفاهيم، والعكس كذلك. ويحدث هذا أيضًا في الرقص، والموسيقى، والرياضيّات. لكن بالرغم من هذا، فقد مررنا جميعًا بتجربة أن تعتقد أو “تفكّر” في أنَّك تعرف شيئًا ما حقّ المعرفة، حتى تبدأ بالكتابة عنه، مُكتشفًا أنّ ذلك لم يكن إلّا إحساسًا أو شعورًا غير موثّق أو مدعوم بالحقيقة. على الرغم من ذلك، لكلّ هذه الأشياء بناءٌ كلاميٌّ خاصّ، أو بمُصطلح عامٍّ أكثر، لكلّ هذه الأشياء تركيبٌ نحويّ. إنَّ النمط أو البناء الهيكليّ هو الذي يجعل الراقص يربط الإيماءات الحركيَّة (الأسماء)، بسرعات واتِّجاهات مختلفة (الأفعال)، مع أدوات ربطٍ لدمج كلّ ما سبق. وهذه هي البنية الكلاميّة، أو ما يسمّى في العربيّة بالنحو؛ هو نظام، وبُنية تركيبيّة لكلّ الأفكار الإبداعيَّة المُدركة لتحَقّق في هذا العالم.

إنّ نمطيّة التفكير المركّبة ليست محصورةً فقط في القدرة التركيبيّة لإيصال أو الاحتفاء بأفكارٍ معيّنة. فإذا امتلك نظام التصوير العقليّ تركيبةً نحويّةً مُدمجة، فستوجد بذلك مجموعةٌ من القواعد. وهذه هي قواعد الإنشاء النحويّ، التي تدير وتنظّم بناء التعابير والمصطلحات بشكلٍ متوافقٍ في ذلك النظام. وهذا هو الذي يضمن أنّك إذا بنيت جُملةً ذهنيّةً بالاعتماد على أحد القواعد، فأنت تستطيع إعادة تكوين العديد من الجُمل الأخرى على أساس نفس تلك القواعد. إنّ اندماجيّة قواعد النحو تحدّد البناء أو الصيغة الكلاميّة للتصوّرات الذهنيّة المعقَّدة، وهذا ما يمثّل الجانب الإنشائيّ أو التكوينيّ للنّمطيّة اللغويّة. لكنّ عمليّة التفكير الاستنتاجيّة تبدو منظّمةً ونمطيّةً أيضًا؛ حيث أنّ القدرة على تكوين استنتاجات معيّنةٍ مرتبطةٌ بالقدرة على تكوين العديد من الاستدلالات الأخرى. فليس من الممكن إيجاد عقولٍ قادرةٍ على استنباط “أ” من “أ/ب”، وغير قادرةٍ على استخراج “ج” من “أ/ب/ج”. بذلك تتبيّن لنا الحقيقة النفسيّة بأنّ القدرات الاستنتاجيّة تتمثّل بمجموعاتٍ عنقوديّةٍ متشابكةٍ ومتجانسةٍ في جوانب معيّنة. لكن كيف يُمكن لهذه الحقيقة (الاستنتاجيّة أو التحوُّليّة النمطيّة) أن تُفَسّر؟

المصدر:

http://sites.millersville.edu/bduncan/221/mentalese/

اترك تعليق

آخر المقالات