بالعربي

ما هو سر شُهرة الموناليزا؟

في رُكنِ الفن الإيطالي بمتحف اللوفر شرقي نهر السين في العاصمةِ الفرنسيّة باريس، خلفَ زُجاجٍ مقاومٍ للرصاص وفي وسط ظروفٍ بيئيّةٍ مُعدةٍ خصيصًا لها، تتربع اللوحة الأشهر على الإطلاق، الموناليزا أو الجيوكاندا، رائعةُ الفنان الإيطاليّ، ليوناردو دا فنشي والتي رُسمت عام 1503.

سنويًا، يزدحم اللوفر بسبعة ملايين ونصف زائر من شتى بقاع الأرض، 80% منهم – أيّ ستة ملايين – يأتون لتأمل الموناليزا، علّهم يُفلحونَ في فكِ لغز اللوحة الذي يُكسبها كل هذه الشّهرة، لكنّهم على الأرجح يُصابون بالحيرة لدى مُشاهدتهم اللوحة عن قرب، فهي لا تعدو عن لوحةٍ صغيرة لامراءةٍ ترتدي ملابسَ متواضعة ذات لونٍ داكن، ولا تتزين بالجواهر والحليّ، إذن ما هو سرُّ الموناليزا؟ أهي ابتسامتها الوادعة أم هي مُقلتاها التي يُقال أنَّها تبدو مُحدقةً إليك بغض النّظر عن الزاوية التي تنظر إليها بها؟

إلى جانب الغموض الذي يلفُ هوية السّيدة الجالسة في الصّورة ومظهرها المُبهم، فإنَّ سبب شُهرة الموناليزا يعود إلى الألغاز العديدة التي تدور حولها، فعلى الرّغم من ظهور العديد من النظريات التي تُحاول كشف النّقاب عن السّبب الذي تعود إليه شُهرة هذه اللوحة، تُصرّ نظرياتٌ أُخرى وبشكلٍ مُلح على عدم وجود سبب واحد بعينه يقفُ خلف شهرتها، إذ تقولُ هذه الآراء أنَّ شهرة الموناليزا هي نتاجُ تظافر عدة عوامل مُجتمعةً مع جماليّة اللوحة وجاذبيتها.

من غيرِ المُنصفِ أن نعزو شهرة الموناليزا للغموض الذي يُحيط بها فقط، فهذا الأمر يجب ألا يصرفُ الأنظار عن حقيقة كون هذه اللوحة مُتقنة وعلى مستوىً عالٍ من الحِرفية، وذلك بسبب محاكاتها للحقيقة ولقرب تفاصيلها من التّفاصيل الواقعية لشكلِ الوجه البشري، حيثُ يظهر هذا جليًا في وجه السّيدة المنحوت بدقة وذلك بفضل تقنيّة التّمازج اللوني (سفوماتو) التي أتقنتها أنامل دا فنشي والتي منحت اللوحة مسحةً واقعية لا تخلو من جمالٍ ورقة، فخمار الرأس المرسوم بعناية، وخصلات الشعرِ المُسدلة بإتقان وطيّات الثّوبِ التي حرص دا فنشي على الدّقة في تصويرها، جميعها تنمُ عن صبرٍ لا مُتناهٍ وعن اهتمامٍ مُنقطع النّظير بالتّفاصيل الدقيقة.

لكن، هل جودة الموناليزا فنيًا كفيلةً بإكسابها كل هذه الشهرة؟ ولماذا لم تحظَ بقيّة اللوحات بشهرةٍ كهذه؟ فالعالم يزخرُ باللوحات السّاحرة والمُدهشة، فما هو السّببُ إذن؟

يُشير بعض العلماء إلى أنَّ تاريخ الموناليزا قد لعب دورًا في تميّزها، فقد عُلقت الموناليزا لأول مرة في قصر الملك فرانسيس الأول، الذي قضى فيه ليوناردو دا فنشي السّنوات الأخيرة من حياته، فأصبحت بذلك جزءًا من المجموعة الملكيّة، ولقرونٍ عديدةٍ تلت، ظلت الموناليزا مُلكيّةً خاصة ضمن المجموعة الملكية، حتى جائت الثّورة الفرنسيّة عام 1789 وأطاحت بالنّظام الملكي، فأُممت ممتلكات الملك وعُدَت ملكًا للشعب. في نهاية المطاف استقرت الموناليزا عام 1797 في متحف اللوفر، بعد أن بقيت مُعلقةً لفترةٍ من الزّمن في غرفة نوم نابليون بونابارت.

لم تُعَد الموناليزا لغزًا مُحيّرًا حتى القرن التّاسع عشر، يُعزى هذا إلى تزايد الاهتمام العالميّ باللوحة، نظرًا لعدة عوامل منها تزايد الاهتمام بـ ليوناردو دا فنشي ذات نفسه، إذ بدأ يُنظر إليه على أنَّهُ عبقريّ، فقبل القرن تاسع عشر كان دا فنشي يُعد فنانًا من الطراز الرّفيع ولكن بالتّساوي مع عُظماء عصره مثل مايكل آنجلو ورفائيلو سانزيو، ولكن بحلول القرن التّاسع عشر ومع تزايد الاهتمام بعصر النهضة بدأ نجم دا فنشي بالسطوع، ليس كفنانٍ فحسب، بل كمُخترعٍ وعالمٍ عظيم.

لاحقًا، تم تفنيد العديد من اختراعات دا فنشي، كما تم الكشف عن أنَّ مُساهماته في العلم والعمارة متواضعة خِلافًا للصورة الرّائجة عنه، ومع هذا، بقيت أُسطورة دا فنشي العبقريّ مُستمرةً حتى يومنا هذا، مما كان رافدًا إضافيًا يصبُ في بحرِ شهرة الموناليزا.

لقد لعبت واقعة سرقة الموناليزا عام 1911 دورًا مفصليًا في إثارة زوبعةٍ من الاهتمام الإعلامي حولها، فالسّرقة التي حدثت في الثاني والعشرين من شهر آب لذاك العام، قد شغلت الرأي العام حينها وكانت الموضوع الأساسي للصحف النّهمةِ لنشرِ الشائعات ولاقتناص الفضائح، فاستقال المدير المسؤول عن اللوحات الفنيّة في المتحف على أعقاب هذه الفضيحة المُدوية كما تم اعتقال الفنان الشهير بابلو بيكاسو كمشتبهٍ بهِ في سرقة اللوحة ! وبالطبع، توافدت أفواجٌ ضخمة من النّاس إلى متحف اللوفر ليتأملوا الفراغ الذي خلفته اللوحة الشهيرة وليكونوا شاهدين على هذا الحدث المُريع.

بعد عامين، تم العثور على اللوحةِ في إيطاليا، بعد أن قام أحد وكلاء الأعمال الفنيّة في فلورنسا بإبلاغ السلطات المحلية أنَّ رجلاً قد اتصل به بشأنِ بيعها.

بمراسيم استقبال تليقُ بضيفٍ دبلوماسيٍ رفيعِ المستوى، استُقبلت الموناليزا في الولايات المُتحدة الأمريكية عام 1963 بعد أن نُقلت على متن سفينةٍ للرُّكاب عبر المُحيط الأطلسي، في مقصورةٍ من مقصورات الدّرجةِ الأولى. حدث هذا ثانيةً عام 1974 ولكن هذه المرة كانت الوجهة إلى اليابان.

هي الظروف إذن، تظافرت وتراتبت جاعلةً من الموناليزا اللوحة الأشهر عالميًا، فلا سببًا واحدًا يُفسر شهرتها، فجودتها الفنيّة وحدها قاصرةً عن إيصالها إلى رأس هرم الشهرة هذا، ولكن هذا لا يعني بالطبع أنَّ اللوحة غير جيدة، فاللوحة على درجةٍ عاليةٍ من الإتقانِ والجودة، لكنَّها حازت شُهرةً تفوقُ جمالها !

كتابة: سهى عبدالكريم أبوزنيمة

[read more=المصادر less=إخفاء]

https://www.britannica.com/story/why-is-the-mona-lisa-so-famous?fbclid=IwAR3Tg_xbK9Faqh-etfrJdMW2Z8kIILw856C9H-7ePZRPDZIGeSyhZChdfRw

[/read]

اترك تعليق