بالعربي

هل الرجال أذكى من النساء حقًا؟

إنّ الذكاءَ نشاطٌ معرفيّ وفكري مبني على بديهة وقدرة الإنسان على حلِّ المُشكلات، وهو مفهوم واسع لا يقتصر على الذكاء العلمي فحسب، بل يتعدد الى ذكاء اجتماعي، عاطفي، لغوي، ووجداني وهلُمّ جرًا …

وَيزعم الكثيرون أن هنالك اختلافًا في الذكاء بين الذكور والإناث، وينسبون ذلك إلى بعض الأبحاث العلمية، فما حقيقة هذه الادعاءات؟

مَن نُصدِّق؟

يٌشكِلُ موضوعُ الاختلافِ في التفكيرِ والإناثِ موضوعًا دسمًا للنِقاش، حيث تتعدد وجهاتُ النظِر فيه، قد ينبُع بعضها مِن الموروثِ الثقافيّ لدينا بأفضلية الذكر على الأُنثى، ويَنسب البعض ذِلك إلى وجود أساسٍ ديني، إلا أن هذا الأمر عارٍ مِن الصحةٍ؛ لأن الله سبحانه تعالى خلق الحياة بناء على العدل وتكافؤ الفرص وأن لا تفضيل لإنسان على غيره إلا بعمله وسعيه وأن تنوع الجنس إنما وجد لتكامل الحياة الانسانية. قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).صدق الله العظيم

بينما تدعي بعض الحركاتِ المُعاصِرَة عَدم وجودِ اختلافٍ يُذكر بين الذكورِ والإناثِ، زاعمين بأن كُلّ ما يُقال ما هو إلا تهميشٌ وتثبيطٌ للإناث.

لتفنيد هذا الادعاء أو رفضه، فلنناقش بدايةٍ بعض الفرضيات التي قد تُقبل وقد ترفض، وذلك لأن البحث هو أساس العلم بالشيء. حيث قامت عِدة دراسات في البحث في أسبابِ الاختلاف في الذكاء بين الجنسين بناءً على المُستوى الذي وصل إليه الرجال والنساء في العالم على صعيد العلم والتعلم في مختلف المجالات، كما أنها تدرس فيما إذا كان هذا الاختلاف فطريًا (ناجم عن التركيبة البيولوجية للإنسان) أم أنه مكتسبٌ (من خلال نظرة المجتمع المحيط بالإنسان).

الرجال من المريخ والنساء من الزهرة؟!

على الرُّغم مما نسمعه يوميًا من الحوارات النقاشية، وما نقرأه في كُتب التنمية البشريّة عن عدم وجود أفضلية جنسٍ على الآخر؛ إلا أن أغلب الأبحاث وافقت على وجود فرقٍ بين عقل الأنثى وعقل الذكر. ومما يثبت الفجوة بين الجنسين في مجال العلم، أن النساء في الولايات المتحدة تمثل ما يقرب 24% من الوظائف العلمية الرياضية (science and math jobs) ويُبرر ذلك دائمًا بحجة أن النساء غير متهيئات فطريًا أو بيولوجيا لاستلام هذه الوظائف. فهل هذا صحيح؟

بينت إحدى الدراسات الحديثة وُجودَ عامِلٍ واحدٍ على الأقل (من بين عدة عوامل) يجعل المرأة تظن بنفسها أنها غير مؤهلة أو غيرُ قادِرةٍ على استثمار مثل هذه الفرص. حيث أُجري مسحٌ شامل على عينة مكونة من 202 طالب خلال ندوة علم وظائف الأعضاء العليا في جامعة ولاية أريزونا، ووُجِدَ أن النساء يُعانين مِن انعدام الثِقة بقدراتهِن بنسبة أكبر مقارنة بأقرانهن الذكور!

ووجدت دِراسة أٌخرى أن الطلاب الحاصلين على مُعدلِ 3.3 يظنون أنفسهم أذكى مِن 66% مِن باقي زُملائِهم، بينما تظن الطالبات الإناث الحاصلات على نفس المعدل بأنهُن اذكى من 54% من أقرانهن في الغرفة الصفية، نستنتج مِن هُنا انها مسألةُ ثِقةٍ وإيمانٍ بالقُدراتِ أكثر من كونها أمرًا فطريًا، وينعكِسُ ذلِك على أداء الفرد في الغُرفةِ الصفيّةِ وتطويره لذاتِه. ونتيجة لذلك، فإن الفجوةَ الموجودة بين الذكور والإناث في الثقة بالنفس وما ينتج عنها مِن قِلة المُشاركةِ والسلوك الفاعل، يجعل مِن المرأةِ تَخجَلُ مِن طرح الأسئلة، وبالتالي تحصل على درجات مُتدنيّةِ ومن ثم قد تلجأ إلى إسقاطِ فصولٍ دراسيّةٍ هُروبًا مِن عدم الراحةِ وفًقدان الثِّقة في قُدراتِها. ويُفسِّرُ ذلِكَ وجود النساءِ بشكلٍ أقلَ بكثيرٍ من الرجال في مجالات العُلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وبناءً على نتائج هذه الدِراسة، فإن السبب الأساسي لحصول الطالباتِ على علاماتٍ مُتدنيةٍ في هذه الامتحاناتِ الجامعية هو فُقدان الثِّقة في قُدراتهِن الرياضيّةِ وليس نَقص مهاراتهِن، كما أن عدم الإقدام على مِثل هذه التخصصاتِ قد يكون بسبب خوفهن مِن الفشل فيها أكثر مِن شيء آخر.

نستنتج مِن هُنا انها مسألةُ ثِقةٍ وإيمانٍ بالقُدراتِ أكثر من كونها أمرًا فطريًا، وينعكِسُ ذلِك على أداء الفرد في الغُرفةِ الصفيّةِ وتطويره لذاتِه

ولسوءِ الحظِّ فإن هذا الإحباط يؤدي إلى حلقةِ مُفرغةٍ؛ فتُمضي المرأةُ سنوات دِراستهِا وهي تسمع آراء المُثبطين بأنها غيرُ مؤهلةٍ لِلتخصُصاتِ العِلميّةِ، لتتملكها حالَةٌ مِن عدمِ الثِّقَةِ بالنّفسِ ويقِّل أدائها في هذه الموادِ. ويؤدي ذلك إلى تناقُصٍ في إقبالِ الإناث لِمثلِ هذه التَخصُصاتِ، ليُعطيَ انطباعًا زائفًا بإن الاناث غيرُ مُلائماتٍ لمِثلِ هذه المجالات.

بِناءً على ما تقدم، فإن الوقت قد حان لإنهاء الأسطورةِ القائِلَةِ بأن التخصُصاتِ العِلميّة مُقتصرةٍ على الذكورِ فقط. ولنحرص على تحقيق المساواة في مجالِ التعليمِ بين الرجل والمرأة لنغتنم مُميزات كُلِّ منهما ونسعى للعمل والنجاح معًا .فتقدير قيمة المُشاركة المُميّزَةِ مِن كُلِّ فِئةٍ يؤدي بكُلِ تأكيدٍ إلى التَكامُل بين قُدراتِ الجنسين العلميةِ ودفعِ عجلةِ التطورِ العِلميّ إلى الأمام.

إعداد: نِداء بني عطا

تدقيق: محمد قصي الصباغ

تصميم: لين كنعان

المصدر: https://futurism.com/women-science-gender-gap/

 

 

 

اترك تعليق