بالعربي

ستيفن هوكينج، عراب الثقوب السوداء!

رَحلَ عرّابُ الثقوبِ السوداء، رَحلَ سفيرُ البشريةِ للنجوم، في الرابع عَشر من آذار وفي صبيحةِ هذا اليوم، توفيَّ عالمُ الفيزياءِ النَّظرية الأشهَر على الإطلاق؛ ستيڤن هوكينج عَن عُمرٍ يُناهزُ الـ 76 عاماً، وكأنَّ للقدرِ رغبة في أن يكون تاريخ وفاة هوكينج هو ذاتَهُ تاريخ ميلاد آينشتاين ليُرينا أنَّ قافلة العِلم لَن تتوقف وإن تَرجَل مِنها عُلمائُها، فآخرونَ سيكملونَ المَسيرَ.

ولِدَ هوكينج في الثامن من شهر شباط 1942 في مدينةِ أُكسفورد الكائنة في بريطانيا. أتَمَّ دراسته الجامعية في جامعة أُكسفورد، حائزاً على مرتبةِ الشَرَف في تخصُصِ الفيزياء عام 1962.

“المُقعد الذي انتصر على مرضه”

في عامهِ الأخير من دراستِهِ الجامعية، بدأتَ أعراضٌ غريبة بالظهورِ لدى هوكينج، تنوَّعت هذهِ الأعراض ما بَين لَعثمةٌ في الكلام، وضَعفٌ في تَنسيق الحَركَة.

بَعدَ مُرور عام تقريباً من بدء ظهور هَذهِ الأعراض، شُخِصَ هوكينج بالإصابةِ بَمرضِ التَّصلُبِ الجانبي الضُّموري في العام 1963، وتوقعَ الأطباءُ حينها نهاية حياته في غُضونِ عامين، نظراً لأنَّ هذا المَرَض يتفاقَم وتَزدادُ أعراضُهُ حِدةً مع الوقت حَتى تُجهِز على المُصابِ بِه. يؤثر هذا المَرَض على الخلايا العَصبية المُتواجدة في الدِماغ وفي الحبلِ الشوكي والمَسؤولةُ بدورِها عَن التَّحكُمِ بحركةِ عضلات الجِسم، مُعيقاً إياها عن تأدية دورها الوظيفي، فيبدأ المُصاب تدريجياً بفُقدان القُدرة على السيطرة على حركةِ العضلات، ومِن ثَمَّ يفقد القُدرة على الحركةِ، مروراً بفقدانِ القُدرة على تناولِ الطعام، فالمَشي وفي النهاية العَجز عن التنفس، أي الموت.
لَم تَقِف إصابةُ هوكينج حاجزاً في وَجهِ طموحِهِ أو حُبِهِ للحياة، فقد تزوجَ عام 1965 بالفتاةِ التي أحبَها والتي كانت تُدعى جين وايلد، وأنجَبَ لاحقاً في العام 1967 إبنه الأول، روبرت.

“عراب الثقوب السوداء”

حَصل على شهادة الدكتوراة في العام 1965 نَظير أُطروحته التي كان عُنوانُها (خصائصُ الكون المُتمدد) والتي نُشرت عام 1966. عَمِل هوكينج بروفيسوراً جامعياً لتدريس مادة الرياضيات في الفترةِ المُمتدة من العام 1979 حتى العام 2009 .

أُطلِقَت أولى نظرياته في العام 1971، والتي نَصت على أنَّ للزمكان بدايةً في الإنفجارِ العَظيم ونهاية في الثُقوبِ السوداء، مما إستدعى ضرورةً لإيجاد نَظرية موحِدة تَضُمُ كِلا نظريتي النسبية العامة ونظرية الكَم. إذ أنَّه اقترح أنَّ الثقوب السوداء كانت إحدى نواتج الإنفجار العظيم، فعلى حدِ تعبيره أنَّ بَعض كُتل المادة قد إنهارت إلى ثقوب سوداء صغيرة جداً لكنَّها كانت ثقيلة جِداً تَصِلُ كُتلَتُها إلى ملياراتِ الأطنان.

لاحقاً، في العام 1974 أطلَ هوكينج على العالم بنظريةٍ أُخرى مفادُها إصدار الثقوب السوداء للإشعاع، وتَمَكَن من إثبات ذلك نَظرياً؛ فسُمي هذا الإشعاع بـ إشعاع هوكينج .

في عام 1988 نُشر أكثر كُتب هوكينج شُهرةً على الإطلاق، كتاب (تاريخ موجز للزمن).

في مَطلعِ الألفيةِ الثانية وفي العام 2001 تحديداً، نَشرَ هوكينج كِتابه الثاني بعنوان الكون بإيجاز أو الكون في قِشرةِ جَوز، عن الفيزياء النَّظرية والذي يشرح بطريقة مُبسطة تاريخ ومبادئ الفيزياء الحديثة. رَغبةً مِنهُ في نَشر عِلمه إلى أكبر قَدر مُمكن من الناس وإيماناً مِنه بحق الجميع في المَعرفة، سعى هوكينج على الدوام إلى صياغة نظرياته بأسلوب سَلِس ومُبسط، ليتسنى للجميعِ فهمها.

أخيراً، في العام 2010 قامَ هوكينج بنشر آخر مؤلفاته، كتاب بعنوان التَّصميم العَظيم، يُحلل هذا الكِتاب تاريخ المعرفة العِلمية حول الكَون، ويقوم بشرح نظرية الأوتار الفائقة، إضافةً لما سَبَق يُشير الكاتبان ( ستيڤن هوكينج و ليونارد ملودينو ) إلى أنَّ النَّظريةَ الموحدة قد لا تَكون موجودة.

لَم تتوقف عبقرية هوكينغ عند ذلك الحَد، بل كانت عبقريته جامحة ، فسبرت أغوارَ الفَضاء وحَلَقت بهِ عالياً في أعماقِ المَجرات، فكان يطرقُ بفضولِ العالم وإلحاحهِ أبوابَ الثقوبِ السوداء، التي إقترحَ أنَّها قَد تكون بوابةً لأكوانٍ أُخرى وعوالِم مَجهولة، فهل سيشهَدُ العالم قُدوم فيزيائي آخر يُكمِلُ مَسيرَ هوكينج ويَكتَشِف لُغزَ الثقوبِ السوداء؟

كتابة: سهى ابو زنيمة
تدقيق: محمد قصي الصباغ
تصميم: لين كنعان

المصادر

اترك تعليق

آخر المقالات

أسبوع اللغة العربية

أسبوع اللغة العربية