بالعربي

سلسلة أوبئة دمرت البشرية 1: حرب البقاء

عَرفت البشريةُ مُنذ نشئها عددًا لا يُحصى مِن النكبات والكوارِث، إلّا أنّ أخطرها وأكثرها فتكًا، هي تِلك القنابل الميكروبية الموقوتة التي تُزرع فينا، حارقةً أجساد المُصابين بِها مِن الداخِل قبل الخارِج، مُسببةً أوبئةً حصدت ملايين الأرواح، ومدمرةً أعتى الحضارات، ومع أن الطِب الحديثَ ساهَم في كبح جِماح هذا الدمار، إلا أنّ هذه الكائناتِ لا تَنفَكُّ تجِد طريقًا للخلاص، لتعود أقوى من سابِقها، فهذا هو قانون الطبيعة .. البقاء للأقوى!

سنستعرض في هذه السلسلة عددًا مِن الأوبئة الأعتى في التاريخ، وكيف ساهم العِلم الحديث بانتشالها مِن جُذورها.

حربُ البقاء

جميعنا يَذكًر أنواع العلاقاتِ بين الكائناتِ الحية التي درسناها في الصُفوفِ الابتدائية، فهذا الكائن يعيشِ تكافليًا مع ذاك، والآخر يعيش معيشةً تنافسيةً مع غيره، كُل ذلك لتستمر دوامةُ الحياةِ، فُكلُ كائِنٍ -مهمًا بدا مُتعايشًا- يبحث عَن بقائه والحِفاظ على جيناته، وسط هذا البحر المتلاطِم للكائنات الحية، وعلى ما يبدو فإن الإنسان ليس استثناءً عن سُنّةِ الحياة هذه، ففي جوفِنا ترقدُ الملياراتُ مِن الكائنات، وعلى جلدنا تعيش أنواعُ أُخرى، إلّا أن هذه الكائناتِ تعيشُ في علاقاتٍ تكافليُةِ تشاركُيةٍ، نُسهم نحن فيها بتوفير مسكنٍ ومصدر غذاءٍ لهذه الكائناتِ وتُسهم هي بخدمتنا، عن طريقٍ مساعدتنا بهضم أو تصنيع بعض المواد، أو عن طريق حمايتنا مِن الإصابة بالعدوى. إلّا أنّه، وفي بعضِ الأحيان، فإنّ علاقةُ تطفليّةً تنشأ بيننا وبين فصائلٍ مُسببةٍ للأمراض، حيثُ تبحث هذه الفصائِلُ عن بقائها على حِسابنا، مُلخصةٍ قِصة الحياة، فهي حربٌ للبقاء، ولا بقاء إلا للأقوى.

القنبلة الموقوتة

تَدخُل هذهِ الميكروبات إلى جسدِ الشخصِ، لتبدأ بالتكاثًر، مًشكلةً “مُستعمرة “، لا تلبثُ قليلًا هذه المُستعمرة حتى يًتمكَن الجَسد مِن بدء استجابةٍ مناعيةٍ لقِتالها، لتنتج أعراضُ المَرض مِن خليطٍ بين تأثير تكاثُر البكتيريا وتدميرها للنسيج وإفرازها للسموم، وبين الاستجابةِ المناعية، تُعرف هذه الظاهرة باسم “الإنتان، أو العدوى”

سِلاحُ العلم

حصدت هذه العدوى، أرواح العديدِ مِن البشرِ في السابق، وكانت تُشكل عائقًا في وجه دفع عجلةِ البشرية نحو التَقدُمِ، إلا أن البشرية، وكما هي عادة الأحياء في نظامِنا البيئي، حاولت الصراع بكُل ما أوتيت مِن قوة، ليتجلى ذلك اولًا باكتشاف “إدوارد جينر” لمبدأ المطاعيم، حيثُ لاحظ أن حلّابي البقر الذين يُصابون بجدريّ البقر (cowpox) كانوا مُحصنينَ مِن الإصابة بالجُدري (smallpox)، ليصل بعدها إلى نتيجة مفادُها أن أخذ موادٍ مِن شخصٍ مُصاب وحقنها بشخصٍ سليمٍ سيحميه مِن الإصابةٍ بالمرض، توالت بعدها الاكتشافات وازداد فهمنا لطبيعة هذه الميكروبات، خصوصًا عِندما وضع لويس باستور نظريةً الجراثيم، والتي نصت على أن كائناتِ مِجهرية دقيقةً هي سبب الأمراضِ، لتستمر الاكتشافات وتتطور المطاعيم، حتى تمكنت مِن الحَدِّ مِن انتشارِ عديدٍ مِن الامراض، بل والقضاء على داء الجدري نهائيًا عام 1980.

ومِثلما كان للمطاعيم وَقعُ السحرِ على نوعيةِ ومُدة حياة بني البشر، فإن سلاحًا آخر ساهم في ترجيح الكفة لنا، ألا وهو المضاداتُ الحيويةُ، حيث اكتشف “ألكسندر فليمينغ” بأنّ البكتيريا لا تنمو في أطباقِ بتري الملوثة بالفطريات، ليضع فرضيةً مفادُها أن هذه الفطريات قد أفرزت مادةً قاتلةً للبكتيريا، وليتمكن لاستخلاص “البنسلين” مِن تلك الفطريات بعد عملٍ مخبريٍّ دام لسنين، وليضع حجر الأساس لحقبةِ المُضادات الحيوية، التي أصبحت تُتنج بأنواع وخواص كيميائية مُختلفةٍ لتقتل تِلك الميكروبات بانتقائية وكفاءة عاليةٍ، لتَدُق المِسمار الأخير في نعش البكتيريا -كما كُنا نعتقد-، إلّا أنه، وعلى ما يبدو، فإن حرب البقاء ستظل قائمة ما بقي الدهر، فتلك المايكروبات بدأت بتطوير طُرق ذكيةٍ لمًقاومة تِلك المُضادات، وسنتكلم عن ذلك في مقال منفصلٍ بإذن الله.

تابعونا في باقي أجزاء السِلسلة، لتتعرفوا على بعضٍ مِن أشهر هذه الأمراض، وكيف ساهم العِلم في خلاصنا مِنها.

إعداد: محمد قصي الصباغ

تصميم: رغد أبو جبة

 

المصادر:

1- Campbell, Neil A et al. Biology. 10th ed., 2013, pp.

2- https://www.historyofvaccines.org/timeline

3-https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3109405/

اترك تعليق