بالعربي

قولوا وداعًا للكيلو غرام: هل تم استبدال وحدات القياس في النظام الدولي حقًا؟!

يشهدُ عصرنا الحاليّ تسارعًا مهولًا في تطوّر العلومِ وتقدّمها، ففي كلِ يومٍ جديد يُكشف السّتار عن اختراعٍ علميٍ جديد أحدَثُ من سابقه، يُرافق هذا التقدمَ العلميّ تطوّرُ أدوات القياس وازديادُ دقّتها، ومع الدّقة التي يكفلها لنا تطوّر هذه الأدوات نقتربُ، نحنُ البشر، أكثرَ فأكثر من الوصولِ إلى نتائج أكثرَ ضبطًا وأقربَ إلى الصّواب، ولضمان هذا الأمر كان لزامًا على العُلماء إعادةُ النّظر في الوحدات المُستخدمةِ للقياس لتكون الكميات المَقيسة دقيقةً وِحدةً وكميّة.

في السّادس عشر من شهرِ تشرين ثاني للعامِ الحالي، اجتمع في قصر فرساي الكائن في فرنسا، مُمثلون عن ٥٧ دولةٍ للتّصويتِ على ما قد يكون تحوّلًا جذريًا ومنعطفًا حادًّا في تاريخ البشرية، ألا وهو إعادةُ تعريف وحدات القياس المُستخدمة في النّظامِ الدّولي للوحدات، هذا الأمر قد يكونُ بمثابةِ حُلُمٍ يُصبح حقيقة بعد انتظارٍ دام ١٥٠ عامًا، بالنّسبة للعلماء، الذين كانوا يطمحون على الدوام إلى التّعامل بنظام وحدات يتوافق بشكلٍ كُلّي مع الخصائص الأساسيّة والأوليّة للطبيعة والمادة.

باتت الإطاحةُ بالنّظام الدولي للوحدات قاب قوسين أو أدنى، فالنّظام الذي تم اعتمادهُ رسميًا عام ١٩٦٠ في المؤتمرِ العام للأوزانٍ والمقاييس، ليكونَ خليفةَ النّظام المتريّ، الذي تمخض عن إجماع العُلماء الفرنسيين بعد الثورة الفرنسيّة عام ١٧٩٠ على ضرورةِ اعتمادِ نظامٍ موحد للقياس، لن يكونَ لهُ مكان في العالم قريبًا جدًا.

تتمحور وجهة نظر العُلماء في هذا الخصوص بشكلٍ أساسي حول ضرورة استخدام وحدات تُعبر أكثر عن طبيعة المادةِ المَقيسة، بدلًا من استخدام وحدات تتجسّد في أجسامٍ ماديّة، لذا؛ وانطلاقًا من هذا المبدأ، قرّر العُلماء الاعتماد على نظامٍ يعتمد بشكلٍ كُلّي على الثوابت الفيزيائية، مثل سرعة الضوء وغيرها من الثوابت.

يصفُ العلماء هذه الثوابت بأنَّها العمود الفِقري الذي يُقدّم الدّعامة الرّئيسة للمبادىء العلميةِ الراسخة والمُرتكزة على أُسسٍ علميّة، والتي مكّنتنا من معرفةِ القوانين الطبيعيّة، التي تصفُ الكون، المادة والطاقة. فلن تكون هناك حاجة للرجوعِ إلى القطعةِ الأثرية المحفوظة في قبوِ المكتب الدوليّ للأوزان والمقاييس، لمُعايرة الكيلوغرام، إذ أنَّ هذه الاسطوانة الثمينة هي التي تُجسد وحدة الكيلوغرام ماديًا، حيثُ يتم إخراجها مرة وحدة كُل أربعين عامًا لمُعايرة بقية الكُتل حول العالم، ومع ذلك و بالرّغم من كل هذه العناية الفائقة، تُظهِر هذه الكُتلة تغيّرًا في القراءات التي تُجرى لها عبر الزمن!

الآن، وبفضلِ النّظام المُرتقب الذي يوصف بالديمقراطيّة، لن تكون الوحدات المرجعية حكرًا على أحد، ولن تكون في أيدي فئةٍ واحدة بعينها، بل ستكون الوحدات المرجعيّة ملكًا للجميع، حتى لسُكان المجرات المُجاورة إذا لزم الأمر. من المتوقع أن يتم إقرار هذا النّظام رسميًا في العشرين من شهر أيار للعامِ المُقبل، حيثُ سيتم تعديل أربع وحدات وهي:

• وحدة قياس الكتلة، الكيلوغرام، سوف يُعاد تعريفها باستخدام ثابت بلانك.
• وحدة قياس التّيار، الأمبير، سوف يُعاد تعريفها باستخدام الشحنة الأولية.
• وحدة قياس درجة الحرارة، الكلفن، سوف يُعاد تعريفها باستخدام ثابت بولتزمان.
• وحدة قياس كميّة المادة، المول، سوف يُعاد تعريفها باستخدام ثابت أفوغادرو.

يقتضي التّنويه أنَّ مُسمى هذه الوحدات لن يتغير، ولن تتغير الكميّات التي تُمثلها هذه الوحدات، التّغيير الوحيد الحاصل سوف يكون على المرجعيات المُستخدمة في تعريف هذه الوحدات، حيثُ سيتم إعادة تعريف الوحدات الحاليّة باستخدام الثوابت الفيزيائية المُطلقة.

كتابة: سهى عبدالكريم أبو زنيمة
تدقيق و مراجعة: عُمر سامي

�المصادر: http://www.npl.co.uk/si-units/redefining-the-si-units/
‏�https://www.nist.gov/si-redefinition/turning-point-humanity-redefining-worlds-measurement-system

اترك تعليق