بالعربي

الميتوكوندريا أصبحت حائرةً، بين الأمّ و الأب

لأوّل مرة لاحظ فيها تاوشينج هوانج نتائج التحليل، أجزم أنّه على خطأ، ولكن بعد أن أعاد فنيُّ المختبر التحليل ثانيةً، لم يصدق ما جرى.
“إنه مستحيل!”، قال هوانج.

هوانج، و هو أخصّائي أطفال وعالم جينات في مستشفى سينسيناتي للأطفال، طلب من المريض أن يعود لاحقًا لأخذ عينات دمٍ جديدةٍ وحديثةٍ منه، و قام بتوزيع العينات على أكثر من مختبر لتقليل نسبة الأخطاء، وكانت النتيجة ذاتَها في كلّ العينات، اكتشافٌ علِمَ هوانج أنه سيحدث طفرة في عالم الجينات البشرية.

مريض هوانج، طفل في الرّابعة من عمره، كان يحمل جينات ميتوكوندريا من والدته، كما هو متوقع، و والده أيضًا.
كانت هذه مجرد البداية؛ إذْ أنّه باستخدام تكنولوجيا التحليل الجُزيئي للحمض النووي، قام هوانج و زملاؤُه باكتشاف سبعَ عشرة حالةٍ مشابهةٍ في ثلاث عائلات غير متصلة بقرابة دم.

“هذا بالفعل اكتشاف مذهل!”، علّقت زينان وانج، عالمة الأحياء في جامعة ستانفورد و التي كانت تدرس عن الميتوكوندريا، “هذا قد يؤول إلى اكتشاف الحلول ومعالجة الكثير من العِلل والأمراض وحتى طرق اكتشاف الأمراض والنظرة الطّبية اتّجاهها.”

بشكلٍ عام، فإنّ الخلايا البشرية هي عبارة عن خليط من الأمّ و الأب في النواة التي تحتوي على الكروموسومات، ولكن النواة ليست المكان الوحيد الذي يحتوي على الحمض النووي، فالميتوكوندريا هي كذلك تحتوي على حمضٍ نوويٍ خاصٍّ بها؛ إذْ تقوم بالانقسام منفصلة عن الجسم، وفي جميع الحيوانات المعروفة إلى الآن، يتم توارث الحمض النووي الميتوكونديري من الأمّ بشكل حصري، و إلى الآن، لم يتعرف العلماء على سببٍ يفسر هذه العملية بدقة ولكن يوجد بعض الفرضيات.
فعلى سبيل المثال، الحمض النووي الميتوكونديري الخاص بالحيوانات المنوية -أثناء عملية التخصيب- معرّض للطفَرات الجينية بشكل أكبر من الحمض النووي الميتوكونديري الخاص بالبويضة و بالتالي الخلية المخصبة تفضل الأم، كمصدر للميتوكندريا، أكثر من الأب لقلة نسبة الطفرات الجينية الخطيرة التي قد تصيب الحيوان المنوي.
بالإضافة إلى ذلك، “فإنّ وجود نوعٍ واحد من الحمض النووي الميتوكونديري يجعل التنسيق بين الميتوكوندريا والنواة أسهل كونهما الأعضاء الرئيسة المسؤولة عن إنتاج المواد الخام الأوّلية و الضّرورية لعمل الخلية ووظائفها الحيوية”، فسرت صوفي بريتون، عالمة جينات في جامعة مونتيريال.

هناك الكثير من الآليات والخطوات التي تحدث و ذلك لضمان الاستمرارية في هذا الاتجاه، بعض الأقوال تشير أنّه يتم انتقاء الحمض النووي الميتوكونديري من الأم لأنّ ميتوكوندريا الحيوان المنوي تتلاشى شيئًا فشيئًا مع تطور الحيوان المنوي بذاته، والمتبقّي منها أثناء التخصيب يتم ترميزه بإشارةٍ كيميائية معينة وذلك لتتعرف البويضة عليه ولا تأخذه وتدرجه داخل الخلية التي ستصبح مخصّبة.

هنالك بعضُ الكائنات الحيّة كالفراشات والفئران “تسرّب” بعضًا من الحمض النووي الميتوكونديري من الأب داخل الخلية المخصبة، ولكنّ البشر، كما أوضحنا، يفضلون انتقاء الحمض النووي الميتوكونديري من الأم بشكلٍ كامل.

لذا قام هوانج بالبحث في شجرة عائلة مريضه الطفل البالغ أربع سنوات من العمر فوجد عشر أفراد من نفس الحالة، جميعهم يحملون خليطًا من الحمض النووي الميتوكونديري القادم من الأم و الأب على حدٍ سواء. فالآن، بعد أن عرف هوانج عن ماذا يبحث و أين يبحث بالتحديد، عثر هوانج على سبعِ حالاتٍ جديدة من عائلات مختلفة يحملون خليطًا من الحمض النووي الميتوكونديري القادم من الأم و من الأب، مما عزّز هذا الاكتشاف المذهل عالمَ الجينات.

في حال توريث الحمض النووي الميتكونديري من الأم والأب معًا في الإناث، يتم توريث هذه “الميتوكوندريا المهجّنة” لأبناء الأنثى دون إقحام الأب مباشرةً، فيكون التوريث من الجدّ، وهذا يسمى توريثاً غير مباشر، ويمكن أن يكون هناك تنوع أكثر بإقحام جينات الميتوكوندريا الخاصة بالأب أيضًا، فيصبح في داخل الجنين خليطٌ من الأم و الأب و والد الأم، مما يتيح التنوع والاختلاف بشكل أكبر.

أما بالنسبة لآلية أو طريقة الإدراج لميتوكوندريا الأب داخل الجنين فهي غير واضحةٍ بعد، بعض الدراسات ترجّح أنّ طفرةً ما تطرأ على الحمض النووي في النواة لدى الجنين مما يغيّر من طبيعة أخذ الجنين لبعض الجينات من كلا الأبوين فيجعله قادراً على أخذ الميتوكوندريا من الأم و الأب معًا.

فلورنس مارلو، عالمة أحياء تطوريّة في مدرسة إكاهان الطبية في ماونت سيناي ترجّح أنّ العملية منوطة بترميز الميتوكوندريا الخاصة بالحيوان المنوي أثناء عملية التخصيب، أي وضع علامة عليها بهدف تدميرها، و عدم حصول عملية الترميز من الأساس يحفظ الميتوكوندريا القادمة من الأب ويجعل البويضة غير قادرة على التّعرف عليها لتدمرها وبالتالي يجعلها متاحة مع ميتوكوندريا الأم للجنين المستقبلي.

من هذه الاكتشافات ومن هذا المنظور ومن ملاحظات هوانج وزملائه، قدّر فريقُه أن هذه الحالة، تقديرًا، تتواجد في واحد من أصل ٥,٠٠٠ فرد، ولكنّ الإحصائات يجب أن تُدعم بأبحاث أكثر و دراساتٍ تشمل عددًا أكبر من الأشخاص وبدقة أكبر لتأكيد هذه الأرقام.

“لم تكن معرفة أمر كهذا سهلةً في السابق، فلقد تطورت تقنيات التحليل التجزيئي للحمض النووي بشكل كبير عن السنوات القليلة الماضية”، أضافت بريتون.

في عام ٢٠١٦، قامت مجموعة هوانج بابتكار تقنية معالجة ناجحة استُخدمت في إيجاد حلٍّ للأمّهات اللّواتي يعانين من علة في الميتوكوندريا الخاصّة بالبويضة، وذلك باستخلاص الحمض النووي من البويضة للأم وإدراجه في بويضة أنثى متبرعة “أُخرى” منزوعة الحمض النووي ولكنّها تحتوي على ميتوكوندريا جيّدة و قادرة على إنتاج الطاقة بشكل فعّال، و يتمّ تخصيب هذه “البويضة الهجينة” بواسطة الحيوان المنوي القادم من الأب. سميت هذه الطريقة ب “جنين ل ٣ آباء”.

“فلربما استطاع هذا الاكتشاف أن يجعل الميتوكوندريا القادمة من الأب تحل محل الميتوكوندريا القادمة من الأم إن كانت معطوبةً أو مصابة، مما يجعلنا نفكّر أنه بإمكاننا الاستغناء عن طريقة: جنين ل ٣ آباء” أردفت بريتون، ولكنّ هذه الفرضية لا زالت قيد البحث، لأننا لا نعرف بالضبط متى يحدث الاختلاط، ولا نعرف بالضبط كيف يتم الاختلاط، ولا نستطيع أن نجزم أن ميتوكندريا الأب سيتم إدراجها كليًا في الجنين مكان ميتوكوندريا الأم، ولا ننسى أنّ ميتوكوندريا الأب معرضة بشكل كبير للطفرات الخطيرة التي قد تصنع مشاكلًا وأمراضًا أعظم، فكلّ هذا تحت النّقاش والبحث و الدراسة.

“هذا الأمر برمته سيفتح علينا الكثير من الأبواب لمستقبل الوراثة وعلم الجينات والأجنة”، قالت بريتون. لا يزال توريث الأمّ للميتوكوندريا بشكلٍ حصري هو الأمر الذي نسمّيه، طبيعي، ولكننا سنجد الكثير من هذه الحالات في المستقبل وسنجد فيها مفاتيحَ جديدة، قد تقودُنا لآفاق علاج أمراض متعلقة بإنتاج الطّاقة وغيرها، مما سيحسن من طريقة نظرتنا للوراثة، و لربّما علينا أنْ نضع أيضًا بعين الاعتبار الكثير من عمليات التوريث التي كنّا قد اعتبرناها حصريةً من أحد الأبوين، لعلنا نصل إلى نتائجَ أفضل و تفاسيرَ أدقّ، وعلاجاتٍ أكثر، وبالتالي، حياة أيسر.

كتابة: قيس الصغير

تدقيق و مراجعة: عُمر سامي

المصادر:
‏https://www.pbs.org/wgbh/nova/article/dads-mitochondrial-dna/

اترك تعليق