بالعربي

سلسلة أوبئة دمرت البشريّة-2: الكوليرا

المحتويات

عَرفت البشريةُ مُنذ نشئها عددًا لا يُحصى مِن النكبات والكوارِث، إلّا أنّ أخطرها وأكثرها فتكًا، هي تِلك القنابل الميكروبية الموقوتة التي تُزرع فينا، حارقةً أجساد المُصابين بِها مِن الداخِل قبل الخارِج، مُسببةً أوبئةً حصدت ملايين الأرواح، ومدمرةً أعتى الحضارات، ومع أن الطِب الحديثَ ساهَم في كبح جِماح هذا الدمار، إلا أنّ هذه الكائناتِ لا تَنفَكُّ تجِد طريقًا للخلاص، لتعود أقوى من سابِقها، فهذا هو قانون الطبيعة .. البقاء للأقوى!

سنستعرض في هذه السلسلة عددًا مِن الأوبئة الأعتى في التاريخ، وكيف ساهم العِلم الحديث بانتشالها مِن جُذورها.

الكوليرا

سبعةُ أوبئةٍ عالميّةٍ ومئاتُ التفشيات وملايينُ الوفيّاتِ، بكتيريا تقتحمُ الجسدَ وتفرزُ سُمَّها، ومن ثم يكون سببُ الموتِ الحقيقي هو الجفاف. لابدَّ وأن طرأ على مسامِعِك اسمُها، في أحدِ أخبارِ اليمن أو الصومال أو هاييتي، أو من روايةِ الحب في زمنِ الكوليرا.

قبل أن ندخلَ في تفاصيلِ انتشارِها دعونا نتعرف على الكوليرا، هي بكتيريا من نوعِ فايبريو (Vibrio Cholerae)، تشبهُ الفاصلةَ في شكلها، وتفرزُ سمًّا يقومُ بسحبِ المياه والمعادنِ المهمةِ من الجسمِ ليسببَ بعد ذلك إسهالًا شديدًا يشبه ماء الأرُزِ ورائحتهُ كالسمكِ، ويصاحبهُ التقيؤ ولكن دون آلامٍ في منطقةِ البطنِ. تنتقلُ البكتيريا عن طريقِ الماءِ الملوثِ ببرازِ مريضٍ بالكوليرا، وعن طريقِ أكلِ الأحياءِ البحريةِ خصوصًا النيئةِ منها، ولا تنتقلُ بالاتصالِ المباشرِ مع المريضِ. وتجدرُ الإشارةُ إلى أن وجودَ البكتيريا لا يعني بالضرورةِ إصابةَ الشخصِ بالكوليرا، فنسبةُ المصابون بالكوليرا الذين تظهر عليهم الأعراضُ السابقةُ هي 10%.

الموجةُ الأولى (1817-1824)

يعدُّ أبقراط أوّلَ من أطلقَ لفظَ الكوليرا ولكن نحن لا نعلمُ إن كان نفسهُ مرضَ الكوليرا الذي نعنيه حاليًّا. كانت أولُّ الحالات المسجلةِ في تاريخنا الحديثِ عام 1817، حيثُ بدأ المرضُ في إقليم بنغال في الهندِ وانتشرَ بطرقِ التجارةِ القديمةِ حتى وصلَ جنوبَ شرق آسيا والشرقَ الأوسط وأفريقيا الشرقيّةَ وأوروبا. توفيَ مئاتُ الآلافِ من الهنودِ وعشرةُ ألفٍ من القواتِ البريطانيّةِ وحدهم مع نهايةِ الوباءِ عام 1824.

الموجةُ الثانيةُ (1829-1851)

   وصلتْ هذهِ الموجةُ روسيا وهنغاريا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ومصر، ومن ثم انتشرتْ لأمريكا الشماليةِ والمكسيك. توفي 130,000 في مِصرَ وحدها عام 1831، و15,000 من حجاج مكةَ عام 1846.

اختلفت الشعوبُ في تفسيرِ المرضِ، فالعلماءُ الفرنسيون أوعزوا السببَ للمجتمعاتِ الفقيرةِ وبيئاتها القذرةِ، أما الروسيّون فقالوا أن المرضَ سببُه العدوى، إلا أنّهم لم يعرفوا سُبلَ العدوى بالضبط. الأمريكيون وضعوا اللومَ على الهجراتِ الإيرلنديةِ، أما البريطانيّون فكان تفسيرهم هو الغضبُ الإلهي.

الموجة الثالثة (1852-1860)

أثرت الموجةُ الثالثةُ روسيا على وجهِ الخصوصِ مع أكثر من مليونِ وفاةٍ، ثم انتشرَ لأندونيسيا فالصينِ فاليابان. عادَ المرضُ في التفشي عام 1859 في البنغال، وانتقلَ مع الرحالةِ والعسكرِ إلى إيران والعراق والبلادَ العربيةِ وروسيا.

كان تفشي الكوليرا في سوهو- لندن عامي 1853 و 1854 سببًا في معرفةِ ماهيةِ المرضِ؛ حيثُ لاحظَ الطبيبُ ومؤسسُ علمِ الأوبئةِ جون سنو تركّزَ المرضِ في أحياءَ تصبُّ فيها مياهٌ عادمةٌ، واكتشفَ أن المرضَ سببه الماء الملوثة.

الموجة الرابعة (1863-1875)

كانت هذه الموجةُ بدايةً في البنغالِ، وانتشرت مع حجاجِ البيت الحرامِ إلى الشرقِ الأوسطِ وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الشماليةِ وروسيا.

الموجة الخامسة (1881-1896)

كانت هذه الموجةُ الأخيرةُ التي تصيبُ أوروبا حيثُ تحسّنت في نظامِ الصرفِ الصحيِّ والتعقيمِ بعد ذلك. توفي مئاتُ الآلافِ في روسيا وإسبانيا، وآلافٌ أخرى في اليابان وهامبورغ ومصر وإيران.

الموجة السادسة (1899-1923)

كانت روسيا والدولةُ العثمانيّةُ أكبرَ من تأثر بالكوليرا في تلك الفترةِ، خاصةً أن الكوليرا كانت تجدُ موسمَ الحجَّ فرصةً ذهبيةً لتفشيها، حيثُ تفشت 27 مرةً بين الحجاجِ في القرنِ التاسعِ عشر وحتى عام 1930. وفي روسيا توفي 550,000 شخصٍ بين عامي 1900-1925. وفي الفلبين أيضًا، توفي 200,000 شخص، كان من بينهم قائدهم الثوريّ ورئيسَ وزرائهمِ الأول مابيني.

الموجة السابعة (1961-1975)

شهدتْ هذه الموجةُ انتشارَ نوعٍ جديدٍ من الكوليرا يسمى بEl Tor، بدأ في أندونيسيا وانتشرَ إلى بنغلاديش والهندِ والاتحادِ السوفيتي، ومن شمالِ أفريقيا إلى إيطاليا. وتخللتها تفشياتٍ محليّةٍ للمرضِ في اليابان وأوديسا وإسطنبول والقدس.

كانت هذه الموجاتُ الوبائيةُ العالميّةُ للكوليرا، مع وجودِ تفشياتٍ محليّةٍ تظهرُ بين الحينِ والآخرِ في بلدانٍ تهمَلُ فيها الأنظمةُ الصحيّةُ كنتيجةٍ للحروب، آخرها أزمةُ اليمنِ، يمكنك قراءةُ المزيدُ من موقعنا هنا:

http://www.bel-arabi.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%90%D9%84%D9%85%D9%8F-%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8F%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9/cholera_yemen/

 

إعداد: مرح عماد الكرابلية

تدقيق: محمد قصي الصباغ

تصميم:

المصادر:

اترك تعليق