بالعربي

التيليسكوب الأقوى في التّاريخ!

لطالما جذبتنا سماء الليل بنجومها، فنحاول تأمُّلها وتتبُّع ما فيها من كواكب ومجرَّات، لكنَّ الكثير والكثير منها لا يزال على بُعدٍ من ناظِرنا. حيث تحيد عن بصرنا الكثير من الإجابات المهمَّة على بعض أعمق الأسئلة التي قد تجول في بالنا؛ كيف تتكوَّن المجرَّات؟ ومن أين تأتي النجوم والكواكب؟ وهل تتَّسم الكواكب البعيدة بما يجعلها مناسبة للحياة؟

حتى نعرف هذه الإجابات علينا أن نرى ما يحدث، لنبني ونختبر ما لدينا من فرضيَّات، فنبني معدَّات تساعدنا على رؤية ذلك.

لهذا، تسعى وكالة ناسا بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبيَّة، ووكالة الفضاء الكنديَّة إلى وضع قطعة معدنيَّة أخرى في الفضاء، بحجم كليٍّ يُقارب حجم ملعب تنس، وبتكلفة قد تصل إلى ١٠ مليارات؛ مرصدٌ فضائيٌّ آخر، فلم ذلك؟ ولماذا لم نكتف بتلسكوب هابل؟

تلسكوب جيمس ويب، الذي سيُطلق في عام 2019، ويُحطَّ به في النقطة الشمسيَّة الأرضيَّة الثانية للاغرنج (ل2) على بُعد 1.5 مليون كيلومترًا عن الأرض، ليدور حول الشمس في تناسق مع الأرض، وهذا أوَّل ما يختلف فيه عن مرصد هابل الذي يدور حول الأرض. كما أنَّه لن يكون ثابتًا في موقعه، حيث سيدور حول ل٢ في دورة تكتمل خلال ٦ أشهر، وهذا يعطيه ميّزةً مهمّة، حيث لن تغطّي الأرض والقمر مَرآهُ كما يحدث مع هابل الذي يقع تحت ظلِّ الأرض كلَّ٩٠ دقيقة، لذا سيستطيع ويب القيام بمهامه العلميَّة بشكل مستمرّ.

لكن ما هي ل٢؟

في القرن الثامن عشر، وجد جوزيف لويس لاغرانج، الذي كان عالم رياضيَّات، الحلّ لما يدعى بـ”مشكلة الأجسام الثلاث”؛ التي تُعنى بالسؤال عمَّا إذا كان هناك أيُّ ترتيب ثابت يمكن أن تدور فيه ثلاثة أجسام حول بعضها، بحيث تبقى على نفس البعد بالنسبة لبعضها البعض. تبيَّن أنَّ لهذه المُعضلة ٥ حلول، التي تسمّى الآن بنقاط لاغرانج. حيث تكون النقاط ل١، ول٢، ول٣ على نفس الخطّ، أمَّا النقاط ل٤، ول٥ فعلى نقاط تعلو مُثلَّثات متساوية الأضلاع.
النقطة الشمسيَّة الأرضيَّة الأولى للاغرانج تبعد ١.٥ مليون كم عن الأرض باتِّجاه الشمس، ويوجد هناك العديد من المراصد في هذه النقطة. كما توجد أقمار صناعيَّة أخرى على النقطة الشمسيَّة الأرضيَّة ل٢، التي سيكون فيها مرصد ويب.

الأشعَّة تحت الحمراء؛ ما وراء الظاهر

سيرصُد ويب بشكل رئيسيّ في مدى الطول الموجيّ للأشعَّة تحت الحمراء، وسيحتوي على أربع أدوات علميَّة لالتقاط صور وأطياف الأجسام الفلكيَّة. والميزة من قياس الأشعَّة تحت الحمراء هي أنَّ تلك الأشعة المنبعثة من النجوم والمجرَّات تستطيع التخلُّل في الغبار الذي يحجب ما داخله حيث يمتصُّ الضوء المرئي، وبكشف ذلك سيستطيع ويب أن يسجِّل صورًا واضحة ليُبيِّن النجوم والكواكب التي لا زالت تتكوَّن في داخل السُّدم العظيمة، ليُرينا أيضًا الأقراص الكوكبيَّة التي قد تكشف لنا عن كواكب أُخرى قد تحتوي على ظروف مُلائمة للحياة. فإذا كان هابل يرى ما يُمكننا أن ندعوها بالمجرَّات الطفلة، فإنَّ ويب سيُمكِّنُنا من رؤية المجرَّات الرضيعة والوليدة.

التركيب والإطلاق

يتكوّن ويب من العديد من الأجزاء، أهمُّها مرآته الرئيسيَّة الضخمة، التي تتكوَّن من 18 جزء سداسيِّة الشكل ويصل طولها كليًّا إلى 6.5 متر. ستكون هذه المرآة موجَّهة في الفضاء بشكل مُعاكس للشمس (والأرض والقمر)، وكونه سيرصد الأشعَّة تحت الحمراء فهذا الجزء يحتاج حماية مضاعفة للحفاظ على دقَّة عمله، لذا يحتوي المرصد على جزء واق فيه خمسة رقائق يبلغ سمكها مجتمعة حوالي 22 مترًا، وبذلك تكون درجة حرارة التلسكوب نفسه 225 درجة مئويَّة تحت الصفر، فيكون الفرق بين الجزء البارد والساخن من المرصد عظيمًا، حيث يمكنك تقريبًا غلي الماء على جانب، وتجميد النايتروجين على الجانب المُقابل.


لكن كيف سيُطلق هذا المرصد إلى الفضاء وهو بهذا الحجم الكبير؟
ذلك سيكون باستخدام ما يُشابه حيَل فنّ طيِّ الورق (الأوريغامي)، حيث سيُوضَّب داخل الصاروخ الذي سيُقلع به (صاروخ أريان 5)، ثمَّ يبدأ بالتَّفتُّح ما أن يصل إلى الفضاء، ليُباشر عمله في الإجابة على الأسئلة التي ذكرناها في المقدِّمة ويفاجئنا بإجابة أخرى لم نسألها بعد، فيفتح لنا آفاقًا جديدة من المعرفة لنبحث فيها ونبني عليها مُستقبلًا.

المصادر

 

إعداد وترجمة: نسرين عشا

اترك تعليق

أسبوع اللغة العربية