بالعربي

سلسلة أوبئة دمرت البشرية-7: الأيدز .. الوباء ذو الأصل الغامض

عَرفت البشريةُ مُنذ نشئها عددًا لا يُحصى مِن النكبات والكوارِث، إلّا أنّ أخطرها وأكثرها فتكًا، هي تِلك القنابل الميكروبية الموقوتة التي تُزرع فينا، حارقةً أجساد المُصابين بِها مِن الداخِل قبل الخارِج، مُسببةً أوبئةً حصدت ملايين الأرواح، ومدمرةً أعتى الحضارات، ومع أن الطِب الحديثَ ساهَم في كبح جِماح هذا الدمار، إلا أنّ هذه الكائناتِ لا تَنفَكُّ تجِد طريقًا للخلاص، لتعود أقوى من سابِقها، فهذا هو قانون الطبيعة .. البقاء للأقوى!

سنستعرض في هذه السلسلة عددًا مِن الأوبئة الأعتى في التاريخ، وكيف ساهم العِلم الحديث بانتشالها مِن جُذورها.

الإيدز

في قارةِ إفريقيا ما فيها من الظروفِ المَعيشية القاسية، الحروب والأمراض، تكالبت عليها الأزمات والمآسي فأصبحت تُدعى بالقارةِ المَنكوبة، لا ريبَ في ذلك وهي موطن أعتى الأمراض التي يُعاني منها الإنسان المُعاصر والذي وقف أمامه الطبُ عاجزاً عن إيجادِ علاجٍ له، الإيدز، كابوسُ الطب الحديث ولعنةُ الطبيعة على من يحاولُ المَساس بها أو بابنائها، إذ يعتقدُ العلماء أنَّ فايروس الـ HIV المُسبب لمرضِ الإيدز أو متلازمة نقص المناعة المكتسبة قد انتقلَ من قردة الشمبانزي إلى الإنسان إثرَ ملامسة دمائها عندَ صيدها، فقد وجدَ العُلماء نوعاً من قردةِ الشمبانزي في غربِ أفريقيا تحملُ نسخةً حيوانية من فايروس الـHIV  وتُدعى SIV، فعند انتقال هذا الفايروس إلى جسمِ الإنسان يُسبب مرض الإيدز، أو متلازمة نقص المناعة المُكتسبة. رُصدت الإصابة الأولى بهذا المرض عام 1959، إذ عُثِرَ على الفايروس في عينة دمٍ أُخِذت لرجُلٍ من جمهورية الكونغو.

يُصيب فايروس نقصُ المناعة البشرية خلايا وأعضاء جهاز المناعة إذ يُضعف أنظمة الدفاع البشرية مُحولاً جسد المُصاب إلى حصنٍ مُستباح أمام مُختلف أنواع العدوى وبعض أنواع السرطان، فيصبح الجسد عاجزاً عن مكافحة أضعف أنواع البكتيريا والفايروسات. إلا أنَّ المرحلة المُتقدمة من الإصابةِ بعدوى فايروس الـHIV  تتمثلُ في مرحلة الإصابة بمتلازمة نقص المناعة المُكتسبة والتي قد تستغرق من عامين إلى خمسة عشر عاماً لتتطور وفقاً للعوامل المختلفة لدى كل شخص. أما هذه العوامل فتشمل : عمر الشخص، قدرة الجسد على الدفاعِ عن نفسهِ ضد الفايروس، مدى توافر الرعاية الصحية، وجود أمراض أو التهاباتٍ أُخرى إضافةً لعوامل الوراثة الجينية لديه.

الأعراض

تتدرجُ الأعراض وتختلف بتدرج واختلاف مراحل العدوى، إذ أنَّ الأعراض تتأخر بالظهور،  حتى أنَّها قد تكاد تكون معدومة في الأسابيع الأولى بعد التقاط الفايروس، وإن ظهرت فإنَّها تظهر على شكل أعراض شبيهة بأعراضِ الإنفلونزا، والتي تشمل الصداع، الحمى، الطفح الجلدي والتهاب الحلق.

تزدادُ الأعراض حدةً بتقادم العدوى بالفايروس، الذي يعمل على إضعافِ جهاز المناعة تدريجياً، فمن الأعراض التي تبدأ بالظهورِ لاحقاً : تضخم الغدد الليمفاوية، فقدان الوزن، الحُمى، الإسهال والسعال. إنَّ الإهمال الصحي وعدم تلقي رعاية طبية من المُمكن أن يُفاقم الأمر لتتطور الأعراض إلى الاصابة ببعضِ الأمراض الخطيرة، مثل : السُّل، التهاب السحايا، الالتهابات البكتيرية الشديدة، وبعض أنواع السرطانات مثل سرطان الغدد اللمفاوية وسرطان كابوزي.

كيفَ ينتقلُ المرض؟

بشكلٍ عام ينتقلُ المرض عن طريق سوائل الجسم، مثل الدم، حليب الثدي، المني والإفرازات المهبلية.

وبتفصيلٍ أكثر، يُمكن أن ينتقل المرض بإحدى هذه الطرق:

  • الانتقال الجنسي : وذلك عن طريق حدوث اتصال جنسي غير آمن.
  • انتقال المرض من الأُم إلى الطفل : قد ينتقلُ الفايروس من الأُم للطفلِ أثناء الولادة، الحمل والرضاعة الطبيعية
  • نقلُ الدم : ينخفضُ خطر العدوى عن طريق نقل الدم في البلدان المُتقدمة نظراً للاحتياطاتِ والإجراءات المُتَّبعةِ فيها. إلا أنَّ خطر العدوى عن طريقِ الدم يكونُ مرتفعاً لدى مُتعاطي المخدرات عن طريق الحقن، في حالِ تشارُك الحُقَن الملوثةِ بالدماء المُصابة بالفايروس.

في المُقابل، لا ينتقلُ المَرض عن طريق المُصافحة، العِناق، ملامسة الجلد غير المخدوش، مشاركة المرافق الصحية مع المريض، مشاركة المناشف، مشاركة أدوات المائدة أو عن طريق إجراء التَّنفُس الاصطناعي للمريض.

التَّشخيص

لا يوجد اختبار واحد مُحدد يمكن إجراؤه للكشفِ عن الإصابة بمرضِ الأيدز، بل توجد عِدة اختبارات يُمكن أن تُجرى، مثل الاختبارات المَصلية – والتي يُقصد بها الكَشف عن وجود الأجسام المُضادة، عِوضاً عن الكشف عن وجود الفايروس ذاته – مثل : اختبار RDTs ، اختبار EIAs، اختبار الكَشف عن وجود الأجسام المُضادة لفايروس HIV، وغيرها. من الجديرِ بالذِكر أنَّ الأجسام المُضادة للفايروس لا تتشكل غالباً خِلال الثماني وعشرينَ يوماً الأولى مِن الإصابةِ به، لذا فقد تُظهر نتيجة الفحص عدم وجود إصابة، لذا تنبغي إعادة الفَحص لاحقاً للتأكُد.

كذلك يُمكن إجراء اختبارات للدم للكشفِ عَن وجودِ الفايروس، إلا أنَّهُ – الفايروس – قد لا يظهر في الدم خلال فترة تمتد ما بين ثلاثة أسابيع إلى ستة أشهر مِن الإصابة، لذا فإنَّهُ من الضروري إعادةُ الاختبار.

إضافةً لما سبق، يُمكن استخدام اختبار منزلي للكشفِ عن وجود إصابة.

يلعبُ الاكتشاف المُبكر دوراً هاماً في تحديدِ مدى فاعلية العِلاج، إذ أنَّ الاكتشاف المُبكر يرفعُ من فرص تجنب الأعراض المُصاحبة للمرض.

العِلاج

لا يوجد عِلاج يقضي على فايروس الـ HIV، إلا أنَّ العلاج المُستخدم للمرضى  حالياً والذي يُدعى ART  اختصاراً لمصطلح antiretroviral therapy – العلاج المُضاد للفايروسات – يعمل على مكافحة التكاثر الفيروسي داخل جسد المُصاب، كما ويقوم بتقوية وتعزيز جهاز المناعة لاستعادة القُدرة على مواجهة العدوى. بفضل هذا العلاج الذي أُدخل إلى المنظومة العلاجية لمرضى الأيدز في منتصفِ التسعينات، أصبح بإمكان مرضى الأيدز عيش حياة طبيعية تقريباً ذات عدد سنوات كذاك الذي يعيشه الشخص السليم، في حال بدء العلاج في مراحل المرض المُبكرة قبل تفاقم الحالة المَرَضية للمُصاب.  إضافةً لما سبق، فإنَّ هذا العلاج يقلل من فرص عدوى الآخرين مِن قبل المُصاب نظراً لمكافحته للانتشارِ الفيروسي داخل جسد المُصاب.

 أقراصُ الطوارئ PEP

في حالِ اعتقاد الشخص أنَّهُ قد تعرض للعدوى بالفايروس، فبإمكانهِ وقف العدوى ومنعها من الحدوث عن طريق تناول ما يُدعى بـ أقراصِ الطوارئ خلال الثلاثة أيام الأولى بعد التَّعرض للعدوى.

 

كتابة : سهى عبدالكريم أبو زنيمة

تدقيق: محمد قصي الصباغ

تصميم: رغد أبو جبة

المصادر :

 

 

تعليق ١

  • مشكورين على المعلومات القيمة، اتمنى في قادم الأيام أن تكتبوا لنا عن الكوليرا ..