بالعربي

هل يمكن إعادة الأنواع المنقرضة إلى الحياة؟ ولماذا قد نرغب بإعادتها؟

استطاع الباحثون إعادة بناء المادة الوراثية لنوعٍ من الطيور كانَ قد انقرض منذ 700 عام. مما يطرحُ التساؤلَ التالي، لماذا قد نرغبُ بإعادة إحياء الأنواع المنقرضة؟ في المقال التالي سوف نذكر ثلاث مبررات لإعادةٍ بعض الأنواع المنقرضة إلى الحياة مجدداً.

أعلنَ باحثونَ من جامعةِ هارفارد، أنَّهُم استطاعوا إعادة تركيب معظم بنية المادة الوراثية لطائر(الأنومالوبتيركس-Anomalopteryx) المسمى الـ(بوش موا)، والذي استوطنَ في نيوزلندا قبل أن ينقرض منذ 700 عامٍ مضت. في حال استطاع العلماء إعادة تخليق هذا الطائر، فإنَّ هذه قد تعتبر الخطوة الأولى لإعادة أجناسٍ منقرضةٍ أُخرى مثل : حيوانات الماموث الصوفي، والحمام المهاجر أو حتى إنسان النياندرتال (الإنسان البدائي).

بحسبِ موقع ستات نيوز(STAT news)، فقد استخرجَ العُلماء الحمضَ النووي لطائر الـ(بوش موا) من إصبع قدم عينة موجودة في متحفِ التاريخ الطبيعي. إلا أنَّ هذا الحمض النووي يحتوي على انقطاعات ويحتاجُ للعديدِ من التعديلات. وباستخدام التكنولوجيا الحديثة لإعادة بناء الحمض النووي، فإن الأمر يكون سيكون أشبه بحلِ أُحجية تركيبِ الصورةِ المُقطعة باستخدام 900 مليون قطعة! مع فارقِ الصُعوبةِ والتعقيد، إذ أنَّ أغلبية القِطع ناقصة والصورة الأصلية غير معروفة! لحسن الحظ، يوجد أُحجية مشابهة يمكن استخدامها كمرجعٍ في الحل.

إنَّ المُكونات الرئيسية لجميعِ الأحماضِ النَّووية للكائناتِ الحية ولتلك التي انقرضت هي النيوكليتيدات، والتي تُقسم إلى أربعةِ أنواع بناءً على طبيعةِ القاعدة النيتروجينية التي تحملها: (أدنين A، سايتوسين C، غوانين G، ثيامين T).

العلماء في هارفارد بدأوا بـ 900 مليون نيوكليتيد من نيوكليتيدات الطائر، وبدأوا بتركيبها معا. وباستخدام الحمض النووي لطائرٍ مُشابه وموجود حالياً (طائر الإيمو) لملئ الفراغاتِ في الحمضِ النَّووي لطائرِ (الموا)، استطاع الباحثون تركيب ما يقارب الـ 85% من الحمض النَّووي للطائرِ المُنقرض.

وبمجردِ انتهاء العُلماء من تنظيمِ المُحتوى الوراثي لطائرِ (الموا)، فإنَّ الخُطوة التالية ستكون تَحديد الطريقةَ المُثلى لإعادة إحياء هذا الطائر. يمتلك للعلماء عدة خيارات في هذا الشأن؛ حيثُ يُمكنهم مثلاً اختيار “المزاوجة الانتقائية” وهي عملية يتم فيها اختيار أجناس قريبة للغاية ومشابهة للكائن المرغوب به ومزاوجتها انتقائيا حتى يتم الحصول على كائنٍ يَحمِل صِفات الكائن المُنقرضِ جميعها. وفي حال كان النوع قد انقرض منذ مدة زمنية قريبة وحصل الباحثون على عينةٍ من آخرِ أفراد النَّوع، فإنَّ الاستنساخ قد يكون خياراً قابلاً للتطبيق. أما الخيار الثالث -باستخدام هندسة الجينات- فهو جديد نسبياً. عندما نحصل على تركيب جيني دقيق للنوع المنقرض، يستطيع الباحثون حقن التركيبة الجينية في بيضة نوع حي مشابه جينياً للنوع الذي يحاولون إعادته إلى الحياة.

إذاً فإنَّ إعادة الأنواع المُنقرضة إلى الحياة مجدداً هي فكرة قابلة للتطبيق نظرياً، لكن السؤال يبقى: لماذا قد نرغب بإعادةِ الأنواع المنقرضةِ أصلاً؟ أم أنَّ العلماء أصبحوا كما قال (إيان مالكولم) في فيلم (جوراسك بارك) “مشغولي البال بتحقيقِ الإنجازات بحيث أصبحوا يُركزونَ على ما إذا كانوا يستطيعون فعلَ شيءٍ ما، ولا يتوقفون للحظةٍ للتفكيرِ فيما إذا كان يجب عليهم فعله أم لا”.

إليك الآن بعض الأسباب التي يبرر بها العلماء محاولتهم إعادة إحياء الأنواع المنقرضة:

لتطوير العلم:

في كل مرة يطور فيها العلماء فكرة عن المعلومات الجينية للأنواع المنقرضة، فإنَّ مهاراتهم في التعاملِ مع هذا النوع من المعلومات تُصبح أفضل بكثير، وأيضاً تتطور اللوغاريتمات المستخدمة في الحواسيبِ التي تُستخدم في تحليلِ هذا النوع من البيانات. في كل محاولة، يتعلم الباحثون أكثر عن عملية تسلسل الجينات في الحمض النووي، ويستطيعون تطوير تكنولوجيا قادرة على أداء هذه المهمات بدقةٍ وكفاءةٍ عاليتين.

كما أنَّ المحتوى الوراثي الذي يعمل العلماء على إعادة بناءه الآن، قد يكون ذو فائدة في تركيبِ الحمض النووي لأنواعٍ أخرى في المستقبل. وخطوة بخطوة، قد يستطيع العلماء عمل ملفات تحتوي على المعلومات الجينية لكل الأنواع الحية على سطح الأرض.

لحماية الأنواع المهددة بالانقراض:

احتل الإنسان معظم المساحات واستولى على معظم المصادر على سطح الأرض، وبذلك ساهم في تدمير المواطن الطبيعية للأنواع الأخرى، بالأخص تلك الأنواع المهددة بالانقراض. فأصبحت كثرةٌ من هذهِ الأنواع في طريقها إلى الانقراض، مما سيؤدي إلى خفض مستوى التنوع الحيوي إلى ما هو أقل من عتبة الأمان الحيوي – وهي المستوى الذي تستطيع فيه الأنظمة البيئية التَّجدد والمحافظة على بقائنا- حول العالم. وكلما قل التنوع الحيوي في النظام البيئي، زادت فرص الانقراض فينقرض النوع تلو النوع في ذلك النظام.

إن آثار خسارة التنوع الحيوي تكون ملموسة بشكلٍ خاص عندما تكون الضحية هي النباتات. لأننا نعتمد عليها في بقائنا أكثر من الأنواع الأخرى، فالأدوية التي نستخدمها هي إما مصنوعة من مستخلصات النباتات أو تَكون المستخلصات مُضافةً إليها، كما أنَّ الأنسجة والألياف الموجودة في ملابسنا، وأيضاً معظم أطعمتنا جميعها مصدرها الأنواع النباتية.

تعتمد النباتات على الحيوانات والحشرات لتساعدها على التلقيح والتكاثر وتسمى هذه الحيوانات بالملقحات. بالمقابل، تعتمد الحيوانات والحشرات على المحاصيل للتغذية، وللعيش فيها كما نفعل نحن أيضاً. فإذا انقرضت هذه الملقحات، فإن النباتات –  والأنواع المعتمدة على النباتات- سوف تنقرض أيضاً.

تشكل بعض الأنواع المرتكزات الرئيسية للنظام البيئي وتسمى “الأنواع الارتكازية” (keystone species) تكونُ هذه الأنواع أكثر أهمية من غيرها للحفاظ على التنوع الحيوي. على سبيل المثال، الحمام المهاجر (نوعٌ قد انقرض مؤخراً) ساهم في تشكيل العديد من غابات أمريكا الشمالية، وعندما انقرض هذا النوع، خسرت الغابات المحرك الرئيسي في دورة تنظيمها ولم تعُد كما كانت في سابقِ عهدها.

إنَّ إعادة إحياء “الأنواع الارتكازية” قد يساعد في الحفاظ على التنوع الحيوي ومن المحتمل أن يحافظ على الأنظمة البيئية ككل.

للحفاظ على الكوكب:

إنَّ إعادة إحياء الأنواع التي تنقرض في الوقت الحاضر سوف يساهم في الحفاظِ على  الأرض على المدى الطويل. فبحسب ما قالت الأحيائية (بيث شابيرو) من جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز، – والتي عملت على عدة مشاريع إعادة إحياء لأنواع منقرضة من ضمنها مشروع طائر الموا- في مقابلةٍ أجرتها عام 2015 مع مجلة (سميثسونيان): “أنَّها تعتقد أن جهود المحافظة على الأراضي هي ببساطة غير كافية للحفاظ على الكوكب” و: “إن إعادة إحياء الأنواع المنقرضة قد لا يكون الحل لأزمة التنوع الحيوي التي نواجها اليوم، لكن التكنولوجيا التي يتم تطويرها باسم إعادة الإحياء قد تصبح أدوات جديدة قوية في نظامٍ وقائيٍ فعال”

إنَّ التدخلات الإنسانية هي المسبب الرئيسي لخسارة التنوع الحيوي، إما بشكلٍ مباشر مثل قطع الغابات والاعتداء على المواطن الطبيعية للأنواع الأخرى، أو بشكلٍ غير مباشر مثل التغاضي عن مخاطر التغير المناخي.

إذا أردنا أن نستوعب فكرة المصير المحدق بالأنظمة البيئية في العالم بعد تحولٍ مناخي كبير، ليس علينا سوى النظر إلى حوادث الانقراض السابقة القريبة زمانياً؛ فمثلاً حيوانات الماموث الصوفي كانت تخصب الأراضي العشبية في سيبيريا، لكن بعد انقراضها، أصبحت المنطقة أرضاً جليديةً جرداء.

في ظلِ التغييرات التي تطرأ على الكوكبِ حالياً، والتي تفوق سرعتها عمليات التطور الطبيعي وتجدد الأنظمة البيئية، ما الذي يمنع من الحصول على القليل من المساعدة الجينية لنحاول على الأقل أن نُجاري هذه التغييرات؟ ولأننا المسؤول الأول عن طرد الكثير من الأنواع قبلنا، فمحاولة إعادة إحيائها هو اقل ما يمكن فعله.

 

كتابة : عبد القادر أبو حسين

تدقيق : سها عبد الكريم أبو زنيمة

تصميم: لين كنعان

 

رابط المقال الأصلي:

https://futurism.com/reasons-why-resurrect-species/

مراجع المقال الأصلي:

https://www.smithsonianmag.com/science-nature/these-are-extinct-animals-we-can-should-resurrect-180954955/

https://www.statnews.com/2018/02/27/moa-extinct-bird-genome/

https://www.sciencemag.org/news/2016/09/should-we-bring-extinct-species-back-dead

https://www.nationalgeographic.com/magazine/2013/04/species-revival-bringing-back-extinct-animals/

  • فيديو ايان مالكولم، جوراسك بارك:

https://www.youtube.com/watch?v=mRNX6XJOeGU

 

ملحقات:

صورة هيكل طائر البوش موا                        صورة طائر الإيمو

رسمٌ توضحيي لشكلِ طائرِ البوش موا

 

اترك تعليق