بالعربي

الأمراض الانتكاسية العصبية .. عندما ينهار الدماغ!

هل سمعتم يومًا عن شخص قد نسي اسمه ومن يكون؟ أو لم يعُد بإمكانه تذكُّر أشياء بديهيّة مثل أسماء أطفاله أو زوجته أو حتّى من هم بالنّسبة له؟ أو شاهدتم شخصًا فَقَد السّيطرة على حركات يده ولم يعُد قادرًاعلى تناول الطعام بالملعقة؟ هذه الأعراض المُخيفة وخصوصًا لدى كبار السِّن تُمثِّل تحديًّا ولُغزًا طبيًّا يُدعى بالأمراض الانتكاسيّة العصبيّة، وهي مجموعة من الأمراض الّتي تُصيب الخلايا العصبيّة في الدّماغ وتجعلها غير قادرة على أداء وظيفتها بصورة صحيحة، وخطورة هذه الأمراض تكمُن في كوْنها تسلُب حياة المصابين وذكرياتهم وتتركهم في حالة صعبة حتّى يُودي بهم الموت، والمرضان الأكثر شيوعًا هما الزهايمر وباركنسون اللّذان غالبًا ما يُصيبان كبار السّن.

لفهم هذه الأمراض علينا أن نفهم بدايةً تركيبة الدّماغ وممّا يتكوّن وكيف يعمل.

يتكوّن دماغ الإنسان من فصّين مُلتَحِمَين من الوسط، ويحتوي الدّماغ على مراكز مختلفة كل منها يتحكّم بجزء مُعيّن من الأنشطة الإراديّة وغير الإراديّة، فهناك جزء للتّحكم بالحركة وآخر مُخصّص لتخزين الذّكريات وأجزاء مُخصّصة للسّمع والبصر وغيرها من الأنشطة، يحتوي الدّماغ على ١٠٠ بليون خليّة عصبيّة الّتي تُعَد الوحدة الأساسيّة في بناء الأجزاء المختلفة من الدّماغ، حيث يتم تبادل المعلومات بين أجزاء الجسم المختلفة والدّماغ على هيئة إشارات كهربائيّة تتحرّك على طول الخلايا العصبية، إضافة إلى ذلك تُوجَد طريقة أخرى لتبادل المعلومات والأوامر داخل الدّماغ عن طريق النّواقل العصبيّة (neurotransmitters ) وهي عبارة عن مواد كيميائيّة تُفرَز من مواقع عديدة في الدّماغ حيث يُوجَد لكلّ ناقلٍ عصبيّ عددٌ من المُستقبلات الخاصّة به وعند اتّحاد النّاقل العصبي مع المُستقبِل تتحقَّق وظيفة معينة أو إفراز مادّة أو تحريك عضلة أو غيرها من الحركات والأفعال الإرادية وغير الإرادية ، ومن خلال هاتين الآليتين يقوم الدّماغ بوظائفه العديدة.

قد نتسائل عن الخطأ الّذي قد يحدث في خِضَم هذا النّظام الدّقيق الّذي يحكُم الدِّماغ؟ رغم الكفاءة العالية الّتي تعمل بها الخلايا العصبية إلّا أنّها تُعاني من مشكلة مُهمة ألَا وهي عدم قُدرتها على إعادة تجديد نفسها كبقيّة خلايا الجسم وفي حال تعرُّضها إلى ضرر فإنّها تقوم بتصليح نفسها ولكنّها لا تستعيد نفس قدرتها السّابقة وكفاءتها، ممّا يُسَبِّب الأمراض الانتكاسيّة العصبيّة، ففي حالة الزهايمر يحدث نقص تدريجي للارتباط والتّواصل بين الخلايا العصبيّة في قشرة الدماغ، وبالتّالي تدميرها ممّا يؤدّي إلى فقدان الذّاكرة وحدوث اضطرابات سلوكيّة، ولا يوجَد مُسبِّب مُباشر لهذه الحالة غير أنّ بعض النّظريات تفترض وقوع خطأ في تكوين نوع من البروتينات يسمّى الأميلويد الّذي يتجمّع حول وداخل الخلايا العصبيّة ويؤدّي إلى تدميرها، ومن المُمكن مُشاهدة الانكماش الحاصل في الدّماغ وازدياد وضوح التّعرجات على سطحه عند تشريح دماغ المصاب، تاريخيًّا يُعَد عالم الأعصاب الألماني لويس الزهاير أوّل من شخّص المرض عند تشريحه لدماغ شخص تُوفي بسبب الخَرَف .

أمّا في حالة مرض باركنسون، فإنّ الأمر يختلف قليلًا، حيث يحدث نقصان في إنتاج الدوبامين، وهو ناقل عصبي مهم يقوم بمنع النّشاط الزّائد في المراكز الحركيّة في الدماغ، عادةً ما يكون هناك توازن بين الدوبامين وناقل عصبي آخر يُعرَف بالأستيل كولين، وعند اختلال هذا التّوازن وزيادة نسبة الأستيل كولين الى الدّوبامين يزيد نشاط مركز الحركة في الدّماغ وبالتّالي تظهر أعراض المرض المُتمثّلة برجفة اليد وتصلّب وبطء في الحركة وغيرها من الأعراض.

وماذا عن علاج هذه الأمراض؟

في حالة الزهايمر، إنّ علاج المرض يكون صعبًا، لذلك يلجأ الأطباء إلى علاج الأعراض المرتبطة بالمرض مثل إعطاء مُضادات الاكتئاب أو بعض أنواع الأعشاب المُقويِّة للذّاكرة، لكن الهدف في مثل هذه الحالات هو إبطاء انتشار المرض والحدّ من الضّرر الحاصل في الدّماغ وليس العلاج الكُلي، أمّا في حالة مرض باركنسون فمن المُمكِن إعطاء المريض بعض الأدوية الّتي تزيد من إنتاج الدّوبامين أو إعطاء أدوية تُشابِه الدّوبامين في تركيبها وبالتّالي التّقليل من الرّجفة الحاصلة في اليد وغيرها من الأعراض، ويزول عادةً مفعول الدّواء دون سابق إنذار وتعود الأعراض للظّهور بصورة مُفاجئَة بسبب الضّرر الحاصل في خلايا الدّماغ .

 

كتابة: حيدر محمد

تدقيق: مها أبو عجمية

تصميم: نرمين فودة

 

المصادر:

1- https://emedicine.medscape.com/article/1134817-overview

https://emedicine.medscape.com/article/1831191-overview

lecture notes neurology 9th edition

اترك تعليق