بالعربي

استعدوا لرؤية ثقبٍ أسود للمرة الأولى في تاريخ البشريّة!

حان الموعد المرتقب وأخيرًا بعد عامين من الانتظار، ففي العاشر من نيسان ستكون البشرية على موعدٍ مع واحدٍ من أعظم الأحداث الفلكية على الإطلاق، ألا وهو التقاط صورة لثقبٍ أسود! قد يبدو هذا الأمر مستحيلاً، إلا أنَّ المقراب الذي تم تشغيله في شهر نيسان عام 2017 يستخدم تقنياتٍ تجعله أهلاً لهذه المهمة.

ما هو  الثقب الأسود؟

الثقب الأسود هو منطقة مظلمة في الفضاء تمتاز بجاذبيتها العالية جدًا، للدرجة التي تمكّنها من ابتلاع (اجتذاب) كل شيء، حتى موجات الضوء. سبب امتلاك الثقب الأسود لهذه الجاذبية الهائلة هو وجود المادة في حيزٍ صغيرٍ، مما يمنحه كثافةً هائلة، أما عن ماهية هذه المادة فهي عبارة عن بقايا نجمٍ ميت، أو نجمٍ يحتضر. كما ذكرنا مسبقًا، فالثقب الأسود يمتلك جاذبيةً هائلة، تمكّنه من ابتلاع كل شيء حتى الضوء، ولهذا السبب تحديدًا، تكون الثقوب السوداء غير مرئية.

كيف يتشكّل الثقب الأسود؟

بعد موتها، تقف النجوم على مفترق طرق، إن كانت ضخمةً بما فيه الكفاية (الحد الأدنى هو أن تكون ذات كتلة تبلغ ثلاثة أضعاف كتلة شمس نظامنا الشمسي) فإنَّها ستنهار مكوّنةً ثقبًا أسود بعد نفاذ وقودها النووي. أما إن كانت ذات حجمٍ متوسط (في حجم شمس نظامنا الشمسي) فإنَّ الطبقات الخارجية ستتمدد لتشكّل ما يعرف بالعملاق الأحمر، والذي يملك قطرًا يفوق قطر الكرة الأرضية، يتحول بدوره إلى سديم كوكبي، أما اللب؛ فسوف يبرد متحولاً إلى قزم أبيض، ومن ثم إلى قزم أسود في نهاية المطاف. تستغرق هذه العملية برمتها وقتًا طويلاً يمتد إلى مليارات السنين.

ما هو الهدف من تصوير ثقبٍ أسود؟

لطالما كان هذا الأمر إحدى أهم أهداف علماء الفيزياء الفلكية، فالحصول على صورةٍ لنطاق اللاعودة الذي يحيط بالثقب الأسود، يمكن أن يوضح للعلماء تأثيرات الجاذبية القوية بالقرب من الثقب الأسود ، بالإضافة لتقديم فرصة ذهبية للعلماء لاكتشاف قوانين الديناميكا (علم الحركة) في حال تحركت الأجسام في مدارات بسرعةٍ تقارب سرعة الضوء، وذلك بفعل الجاذبية المهولة التي يسحب بها الثقب الأسود الأجسام التي تمر بالقرب منه. إذا ما تمكن العلماء من تنفيذ هذا الأمر حقًا، فمن شأنه أن يفتح نافذةً على دراسة نظرية النسبية العامة عمليًا بالقرب من ثقبٍ أسودٍ فعلي!

إنَّ مشروع Event Horizon Telescope (EHT) هو عبارة عن تعاونٍ دولي تم تأسيسه لتحسين قدرة شبكة الرصد الدولية والتي تستخدم تقنية VLBI (مقياس التداخل طويل المدى). يعتمد مبدأ هذه التقنية على ربط  لواقط إشارات الراديو -القادمة من الفضاء- حول العالم، لتشكيل مقياس تداخل عملاق بحجم الكرة الأرضية. تتوزع هذه اللواقط في بقاع جغرافية مختلفة حول العالم، منها جبال الألب الفرنسية، القطب الجنوبي، الولايات المتحدة وتشيلي.

ما علاقة هذا الأمر بتصوير الثقب الأسود؟ ببساطة؛ تم استخدام هذه التقنية لقياس حجم نطاق انبعاثات ثقبين أسودين في الفضاء، SgrA هو اسم الثقب الأسود الأول الذي يتربع في مركز مجرتنا، درب التبانة. أما الثاني، فيوجد في قلب المجرة التي تدعى M87. إنَّ إضافة المعدات التي تلتقط أطوالاً موجية بطول الميليمتر وأجزاء من الميليمتر في المواقع المرتفعة قد ساعدت في تصوير ملامح الثقب الأسود بالإضافة لمساعدتها في تقديم تصوّر عن التطور الديناميكي (الحركي) للثقب الأسود. تم إعداد هذه اللواقط للتركيز على التقاط موجات الراديو ذات الطول الموجي الذي يعادل 1.3 مليمتر، أي ذات تردد يساوي 230 جيجا هيرتز، مما منح العلماء فرصةً لتجاوز أيّة عقبات قد تسد الطريق لتصوير الثقب الأسود، مثل سحب الغازات أو الغبار. بالإضافة لهذا، تمتاز هذه اللواقط بدقةٍ عالية جدًا، حيث تبلغ دقة المقراب (التيليسكوب) 50 مايكروثانية، لتوضيح ذلك أكثر، تكفي هذه الدقة لرؤية ثمرة غريب فروت موجودة على سطح القمر.
استنادًا إلى دراساتٍ وملاحظاتٍ سابقة، يقدر العلماء بعد الثقب الأسود المدعو بـ SgrA بحوالي 26,000 سنة ضوئية، مما يجعل منه هدفًا صغيراً جدًا لتصويره، هذا وقد تنبأ العلماء بامتلاكه كتلةً تفوق كتلة الشمس بحوالي 4 ملايين مرة، بنطاق لا عودة يبلغ طوله 20 مليون كيلومتر.

كيف من الممكن أن يبدو شكله إذا ما نجحت عملية تصويره؟

يتوقع العلماء أن يبدو على شكل حلقة من الضوء الساطع تحيط بحيّزٍ مظلم، حيث أنَّ الغازات وجزيئات الغبار التي تتم مسارعتها حول الثقب الأسود قبل ابتلاعها ستكون هي مصدر الضوء الساطع المنبعث من الحلقة المضيئة حوله، ولكن في حال كان آينشتاين محقًا في تنبؤاته حول الثقوب السوداء في نسبيته العامة، فإنَّ الحلقة المضيئة لن تظهر على شكل حلقةٍ كاملة، بل ستظهر على شكل هلالٍ مضيء، وذلك بسبب تأثير دوبلر، حيث ستكون الجسيمات التي تتحرك مقتربةً من الأرض أكثر توهجًا وإشعاعًا.

إنَّ عظمة هذ الأمر تكمن في أنَّه سيكون بمثابة وضع نظرية النسبية العامة لآينشتاين على المحك، إذ قدّم آينشتاين قبل قرنٍ من الزمان تنبؤات عمّا من المفترض أن يبدو عليه الثقب الأسود، بالإضافة لتنبؤات حول حجمه المفترض بناءً على مدى الانحناء الذي يسببه في نسيج الزمكان. إذا صدقت توقعات آينشتاين، فسيكون هذا أمرًا عظيمًا بحق، ولكن ماذا لو شاهدنا شيئًا يختلف عمّا نتوقع؟ سيكون هذا أشبه بزلزال يهزّ عالم الفيزياء كما نعرفه! إلا أنَّ العلماء يستبعدون أن تختلف النتائج عمّا نتوقع، لكنهم مع ذلك يتوقعون كل شيء، وهنا تكمن عظمة هذا الحدث.

 

كتابة: سهى عبدالكريم أبو زنيمة

المصادر:
https://www.sciencealert.com/black-holes

https://www.nasa.gov/audience/forstudents/k-4/stories/nasa-knows/what-is-a-black-hole-k4.html

https://www.livescience.com/63436-llm-how-black-holes-form.html

https://eventhorizontelescope.org/about

https://science.howstuffworks.com/star6.htm

 

 

اترك تعليق